من يسعه أن يطوّق الصوت
Nov 2012 04
اسمه ميجال إيرنانديث، هكذا ينطق بالإسبانية، رأت عينا ميجال الحياة أول ما رأتها في أخر أكتوبر 1910، مجرد طفل أخر لريفي بسيط، ينشأ ليشاهد القطعان هنا وهناك، لا تحجب أضواء المدينة عنه السماء، ولا يكف هو عن تأمل أشجار النخيل والبرتقال المنتشرة في الريف الإسباني أنذاك، دفعه ذلك لأن يكرر جملة وحيدة كتمرين على الكتابة تقول : ” أنا عظيم لمواظبتي على تأمل أشجار النخيل، أنا قاس نتيجة العيش جوار الجبال ” .
تنقل إيرنانديث بين بعض المجموعات الشعرية أثناء دراسته بمدرسة سان دومينجو حتى أنتقل إلى العاصمة، بعد عشرين سنة من مولده، لم يكن انتقال إيرنانديث للعاصمة مدريد ذو وقع صادم بالنسبة إليه، كأنه يحسب تحركاته ويعي ما يفعل، توجه نحو القراءة لينهل من مخزون إسبانيا الكلاسيكي عبر أربعة قرون، لكن، يظل جونجورا صاحب التأثير العميق في شعر ميجال في الفترة التالية، وجونجورا شاعر وقس إسباني عاش في النصف الأخير من القرن السادس عشر، وكان ذا مذهب شعري خاص سمي باسمه لتفرد اسلوبه في تلك الفترة بالمرونة لغويا وبقوة المحتوى ثقافيا ومعرفيا بالإضافة لترجمته العديد من الأساطير العالمية شعريا، أثرت صور جنجورا المركبة والغربية في ميجال بالتوازي مع تأثير المستوى الفكري واللغوي، يبدأ الفتى محاولاته في تعريف ذاته فيبدأ بمجموعة من قصائده تنشر في ديوان بعنوان ” محترف القمر ” عام 1933.
في هذا الفترة يجد ميجال نفسه وسط الشعراء الأوائل في إسبانيا فجأة، فمع نشره ديوانه الثاني ” شعاع لا ينطفيء ” يجد إيرنانديث نفسه متصلا بصداقات كثيرة مع أهم أدباء عصره مثل فيسينتي إليساندري وماريا ثامبرانو، لكنهم لم يأثروا جذريا في نشاطه الشعري كما فعل نيرودا، فقد أحتوى نيرودا تخبط الشاعر الشاب ووجه إدراكه تجاه عذاب الشعوب والتخبط الاجتماعي والحراك السياسي الدائر في أسبانيا حينها، ليصبح بعد بضع سنين وعقب موته أحد أيقونات الشيوعين في إسبانيا.
يشارك ميجال بشكل مكثف في الحرب الأهلية الإسبانية منحازا للجمهوريين مقابل القوميين، متخذا من شعره منصة ينحاز من خلالها للإنسان ولقيم مثل العدل والحرية ليظهر ديوانه الثالث بعنوان ” رياح القرية ” عام 1937 مدونا فيه ما ترتكب من مذابح وفظائع الواحدة تلو الأخرى، ولم يفته أن يشارك تطوعيا فانضم إلى مهام نشر التعليم للريف والتي أسسها الجمهوريين لنشر المعرفة بنفس التطور في العاصمة.
في العام نفسه الذي نشر فيه ديوانه الثالث يتزوج من جوزفين مانريزا، لتحمل منه ابنهما الأول فيكتب إيرنانديث إليها:
دون رحمككل شيء مبهم

دون رحمك

سيأتي كل شي…

زائل، ماض، عقيم، مضطرب

دون رحمك

فارق الاستقرار كل شيء

كل شيء ماض

غبار محروم من عالمه

دون رحمك الشفاف، العميق

كل شيء قاتم

لكن الشاعر المهوم بالحرب الدائرة لم يهنأ كثيرا بأبنه القادم الذي يموت قبل أن يكمل سنته الأولى، فينصرف ميجال إلى الشعر والحرب الدائرة بالخارج، فيظهر ديوانه “الرجل المهدد” بين عامي 1938و1939 ليلعن الحرب وليعلن تخلف الإنسان عن إنسانيته، لكن الحرب سرعان ما تنتهي بنصر للقوميين، يحاول إيرنانديث الهرب إلى البرتغال ولكن أصحابه ينصحونه باللجوء لسفارة شيلي التي يفشل في اللجوء السياسي إليها بسبب تعنت موظف إداري في بعض الأعمال الروتينية وتفشل كذلك خطة هربه للبرتغال ليتم القبض عليه ويدان عام 1940 بالإنضمام للثوريين ويحكم عليه بالإعدام إلا أن نيرودا يظهر من جديد ليتوسط للحكومة الفاشية لتخفف الحكم للسجن ثلاثة عقود، ربما كان نيرودا يحاول جاهدا أن لا يصادف إيرنانديث مصير لوركا فيخطط مع مجموعة من أصدقاءهما أن يقوما بتهريبه، لكن ميجال إيرنانديث يرفض معللا بثقته بأن القدر السعيد سيزوره قريبا ويعيده إلى مسقط رأسه ليكمل حياته مع عائلته الصغيرة.
من محبسه بسجن توريخوس بمدريد لا يتوقف ميجال عن الشعر، يكتب على كل شيء، ورق الحمام، الحوائط، قصاصات فارغة تأتيه من هنا وهناك، ليخرج من سجنه ديوان لم يكتب له أن يكتمل سماه صاحبه ” أغنية ونشيد الغياب ” :
كلا…ليس هناك من زنانة تناسب الرجل

لن يستطيعوا قتلي

كلا…

عالم السلاسل هذا،

صغير بالنسبة إلي،

بل وناءٍ عني

من يسعه أن يحتجز الابتسامة

أن يُطَوّق الصوت

بعيدة أنتِ وحدك

أكثر وحدةً من الموت

بعيدة أنت

تجلسين وفي ذراعك حريتنا

نحن الاثنين

أنا حر

أشعر بحريتي خلال الحب وحسب

وفي مارس 1942 عن عمر 31 عام يتوقف ميجال إيرنانديث عن رفع صوته بالشعر، ليخبرنا كتابة على جدران مستشفى نقل إليها بسبب سوء حالته الصحية عن أخر ما يود الإفصاح به قبل أن يغادر هذا العام:
وداعًا…الأشقاء…

والرفاق…

الأصدقاء…

اتركوني أنصرف من الشمس والحقول

Oct 2012 21
لكم هسيس النار في رئتيّ
والرائحة الكريهة لغابة صغيرة تحترق.
ولي..
شبق ماجن يجدف بي دائما نحو دمكم.
صديقي الذي ظل طوال عمره متخفيا وراء قامته
والذي أطلق على نفسه:”الفحل الرومانتيكي”
إمعانا في التخفي
صارحنا اخيرا
أن له أختا سرية لم يعلم بها أبواه
وأنه جني فاسق وعربيد لا يقارن
وبكى حين تذكر كيف كان الله يجره من قفاه عنوة -كل جمعة-
إلى الحلاق
ثم أخذ يدبج النكات اللاذعة للنيل منه
واكتشفنا نحن:
أنه طوال الوقت كان نبيا
لكنه جاهد كثيرا في إخفاء علاقة شاذة
كانت تربطه بالرب.
صديقي الطيب:
سنقيم قريبا أفراح البيرة
وستسمعني كلاما كثيرا عن أفخاذ النساء
وأثدائهن الممتلئة.
كان يزورني في نزلي الدائم بالمستشفى
وفى طلعته…
ينطلق بولي المحتبس وتهدأ كليتاي.
لم أره مطلقا بلباسه العسكري.
جاءت مرة معه وذهبت
وحدثني أنها بكت كثيرا ذلك اليوم.
وجدت مؤخرا أنني كنت أحبه هو.
وأنني كنت أقشر له البيضة كل صباح
لكنها كانت أوسع من فمه وأقسى من هشاشة أسنانه.
ولأنه أخفى علىّ جوعه
ظل جوفه فارغا طوال الوقت
إلا مني.

من ديوان “مثل ذئب أعمى” لأسامة الدناصوري

أثناء شرب الشاي – عمر أبو القاسم شفيق
Sep 2012 10
حادثة الشرفة المقابلة

 

تلقاه، مع انفتاح الباب، صمت ثقيل جاف. كان ابنه، الذي تجاوز السنة، يندفع ناحية الباب لاثغا: “بابا.. بابا” فور سماعه حركة المفتاح في القفل.

 

في الأيام الأخيرة صارت أمه سرعان ما تهب خلفه وتحمله، رغم الصراخ والرفس وضربه رأسه على صدرها، لاجئة به إلى حجرة النوم.

[..]

Sep 2012 04
قبل بدء كل الأشياء لم يكن هناك سوى فوضى عظيمة، وشيئا فشيئا، بدأت الآلهة الأولى تظهر وتتشكل، منهم كانت “نيكس” (الظلام)، طائرا أسود بجناحين عظيمين.

على الريح وضعت بيضتها، بيضة ذهبية لامعة، ولسنوات ولسنوات طوال لا يدركها بشر، رقدت “نيكس” على بيضتها، حتى كانت اللحظة المرجوة ففقست البيضة عن إله أخر جميل الهيئة والطالع فكان “إيروس” أي (الحب).

حين فقست البيضة الذهبية معلنة عن مولد (الحب) تطاير نصف قشرتها إلى أعلى ليصبح “أورانوس” (السماء)، بينما تحول النصف الأخر من القشرة إلى “جايا” (الأرض)، وحين رأت “نيكس” ذلك أمرت ولدها “إيروس” ليوقع “أورانوس” و”جايا” في حب بعضهما، فضم “أورانوس” “جايا” إليه، لتغلف السماء الأرض وتحميها دائما.

أنجب “أورانوس” و”جايا” الكثير من الأبناء، أثنا عشر إبنا وبنتا (ست بنين، وستة بنات) ضخام الأجساد، جميلي الهيئة، ذو قوة جبارة، يشبهون للبشر، وكان إسمهم “التيتان”.

وأنجبوا أيضا ستة من العمالقة المتوحشين، ثلاثة منهم كانوا عمالقة بخمسين رأس ومائة يد لكل منهم، يسمون “الهيكاتونخيريس”، يثيرون بأيديهم العواصف والأعاصير في كل مكان يذهبون إليه.

أما أخر الأخوة، فكانوا ثلاثة عمالقة، لكل منهم عين واحدة في منتصف جبهته، يسمون “السيكالوبس”، يصنعون بأيديهم الصواعق والبرق.

ولكن “أورانوس” لم يكن بذلك الأب المحب لأبناءه، فكان يكرههم جميعا، خصوصا أولاده العمالقة الستة، فقرر أن يحبسهم في رحم زوجته “جايا” (الأرض)، ولكن الأمر لم يعجبها، فقد كانت على عكس زوجها تحب أبناءها جميعا، فقررت أن تثير أبناءه “التيتان” عليه، وتأمرت معهم على قتل أبيهم “أورانوس” الكاره لهم.

كان أشجعهم على الإطلاق هو “كرونوس”، أصغر “التيتان” وأقواهم، فصنعت له أمه “جايا” منجلا من حجر الصوان، وحين آتى “أورانوس” ليضم زوجته، كان أبناؤه الذكور الست يكمنون له، فأمسكوا بأطرافه، بينما أخصاه “كورنوس” بأن قام بقطع أعضائه وإلقائها في المحيط.

وحين تم لكرونوس وإخوته النصر، توج “كرونوس” نفسه ملكا على إخوته (التيتان)، وتزوج من أخته “ريا”، وقام بتحرير إخوته العمالقة (الهيكاتونخيريس والسيكالوبس) من رحم أمه “جايا”، ليسجنهم بعد فترة قصيرة في “تارتاروس”، السجن الأبدي في أعمق نقطة في الأرض، أعمق من الجحيم ذاته.

ولأن “أورانوس” و”جايا” قد تنبآ أن “كرونوس” سوف يهزم من قبل إحد أبنائه، وأن هذا الإبن سوف يكون السبب في نهاية عصر “التيتان”، فإن “كرونوس” كان يبتلع كل إبن (ولدا كان أو بنتا) يولد له، حتى إبتلع من الأبناء خمس (ثلاث بنات، وولدان).

وكما حدث مع “جايا”، حدث نفس الأمر مع”ريا” زوجة “كرونوس”، أثار أمر زوجها غضبها وحنقها الشديد، فكل مرة كانت تلد فيها طفلا، يقوم زوجها بإبتلاعه، حتى كان الطفل السادس والأخير، “زيوس”.

حين جاء “زيوس” للوجود، خافت عليه أمه من مصير إخوته، فأخفته عن زوجها، وأبدلته بحجر لفته في ملابس الطفل حتى يظن “كرونوس” أنه هو ولده، فصدق الأمر وأبتلعه ولم يرتاب في أمر زوجته شيئا.

قامت “ريا” بإخفاء إبنها “زيوس” في كهف على جزيرة “كريت”، وتعهدت بتربيته للحوريتين “إديا” و”أدراستيا”، فقاموا بتنشئته وتربيته حتى أصبح قويا عظيما مهيب الطلعة يليق بدوره -الذي سيكون- ككبيرا لآلهة الأوليمب.

حين علم “زيوس” بما فعله أباه، قرر الإنتقام له ولإخوته، وحين إستشار “ميتس” (إبنة للتيتان أوشينوس وثيثيس)، وكانت معروفة بحكمتها ونظرها الثاقب، أشارت عليه، أنه لن ينتصر على أبيه سوى بمساعدة إخوته، والعمالقة الست المسجونين في “تارتاروس”.

إستطاع “زيوس” أن ينقذ إخوته الخمس (بوسيدون، وهادِس، وهيستيا، وديميتر، وهيرا)، بأن أجبر “كورنوس” على أن يتقيأهم، وبمساعدتهم ومساعدة العمالقة الست، إستطاع “زيوس” أن ينتصر على أبيه و”التيتان” وأن يسجن من تبقى منهم في “تارتاروس” إلى الأبد، فيما عرف بإسم “حرب التيتان”.

ولأن العمالقة كانوا عونا كبيرا له في حربه، حيث صنع له “السيكالوبس” الثلاثة البرق والصواعق لتكون عونا وأسلحة له، كما صنعوا لبوسيدون رمحه الثلاثي الشهير، وصنعوا لهادِس خوذته التي تجعله مخفيا، فقد كافأهم وأكرمهم.

تزوج “زيوس” من أخته “هيرا” وأنجب منها الكثير من الأبناء، الذين عرفوا بإسم “الأوليمبيين”، وعاشوا آلهة، لا يفعلون شيئا، حتى قرر “زيوس” يوما ما أن يخلق الإنسان.

ولكن تلك قصة أخرى

Aug 2012 17

تحكي الحكاية الصينية القديمة أن الإله “فو شي” حين رآى ما يعانيه البشر من ظلام وعتمة وبرودة شديدة، قرر أن يهديهم النار فأرسل صاعقة عظيمة أشعلت مساحة كبيرة من الأشجار بحيواناتها، فشعر الناس بالدفء ونعمة الطعام المشوي، وظلوا هكذا ينعمون بالنار حتى أنطفئت الجذوة التي احتفظوا بها نتيجة غفلة حارسها ونومه

ولحزن الناس العميق وأسفهم على ما ضاع منهم، تنزل “فو شي” على ذلك الحارس الشاب وأخبره أن يذهب لدولة “سويه مينغ” وسيجد هناك نارًا عظيمة فليأتي منها بشعلة

ودون الخوض في تفاصيل رحلة سنأتي على ذكرها لاحقا في حديثنا عن الأساطير الصينية، إستطاع ذلك الشاب أن يأتي بالشعلة، وأيضا بسر إشعال النار من إحتكاك الأخشاب الجافة بعضها ببعض

لماذا تلك الحكاية؟! ﻷن المجتمع الإنساني لا يستطيع العيش في نظام لا يستطيع فهمه أو إدراك القوانين التي تحكمه حتى لو أضطر أن يأتي بقوانين وقواعد لا تتناسب مع أقل قدر من المنطق

في يوم ما ضربت صاعقة الأرض، فأشعلت الأشجار وما بها من حيوانات فأستدل الناس على النار وشيئا فشيئا إكتشفوا كيفية إشعالها من الخشب الجاف، أمر في غاية البساطة

العقل البشري كائن متمرد بطبعه على القواعد الصارمة والضيقة للواقع، ويجد عناءا كبيرا في التعايش مع محدوديتها، فعلى الرغم من البساطة والمباشرة التي تكفلها الأسباب المنطقية الواضحة للواقع، إلا أنه دائما ما يتذمر منها، ويميل إلى رحابة وإنطلاقة الخيال في التفسير، حيث متعة اللامستحيل، وجواز أي شيء، ونشوة الخلق نفسها، وإن كانت مجرد قصص وحكايات خرافية

المجتمع الإنساني لا يلجأ للخيال لأنه يمنحه متعة ونشوة خلق الأسباب، ولكن لأنها أسبابه هو. هو من أوجدها، وهو من يحيط بها علما، وهو من يدرك كل جوانبها، وهذا كفيل بأن يمنحه الطمأنينة والأمان والثقة (وإن كانت مزيفة) اللازمين لكي يستمر يوما أخر

الخيال للمجتمع الإنساني، هو مجرد وسيلة أخرى للنجاة، في كون هو أكبر من أن يسعه عقله

في البداية، كانت المجتمعات الإنسانية عبارة عن قبائل وتجمعات صغيرة بدائية، وكانت محاولات فهمها لما يحدث حولها تتسم بنفس البدائية والحداثة، فكان ظهور السحر

لم تتطور بعد فكرة الإعتقاد في قوى أسمى من الإنسان، ومحاولات إستمالتها وإرضائها، أو ما عرف فيما بعد بالأديان

حتى أن جيمس فريزر (وهو إحد مؤسسي علم الإنثربولوجي) يقول أن الدين يتعارض بشكل جذري مع السحر والعلم، وأن السحر والعلم لا يختلفان كثيرا عن بعضهما

فإن الدين وإن كان يعتقد في أن العالم توجهه قوى واعية يمكن إرضائها بشكل ما، فإنه يتعارض مع السحر والعلم الذين يسلمان بأن الطبيعة لا تحكمها عواطف أو أهواء كائنات فردية، وإنما تحكمها قوانين ثابتة تسير بطريقة ميكانيكية، وهو إعتقاد ضمني في السحر، وصريح في العلم

فالسحر كالعلم، يقوم على مبدأ أن لكل سبب مسبب، وإن كانت الكيفية مجهولة في السحر، فالعلم يقوم أساسا على معرفة تلك الكيفية والإحاطة بها

لو تأملنا مثلا الأساطير الأفريقية، فسنجد أنها ليست بالتعقيد والخيال الواسع التي تتمتع به الأساطير الإغريقية أو المصرية مثلا، وذلك يعود بشكل مباشر إلى تركيبة المجتمعات نفسها، ومدى نضجها وتقدمها

كلما تقدم المجتمع، وتعقد تركيبه، زادت معه قدرته على تأمل ما حوله والوصول إلى درجات من الوعي تتطلب الوصول إلى تفسيرات أكثر تفصيلا وإقناعا، وخيالا، يتناسب مع عظمة هذا المجتمع، وذلك حتى لا يفقد هذا المجتمع الإنساني زمام أمره ويظل معتقدا أنه قوة لها نفوذ في هذا الكون، وأنه مازال بشكل ما محور الإهتمام وغايته

لذا الأساطير الإنسانية بشكلها الذي وصلت إلينا به الآن، هي محاولات خيالية للوصول إلى تفسير مطمئن لما لا يمكن تفسيره، لماذا ضربت الصاعقة الأشجار؟! الجواب بسيط، ولكنه مرعب، فهو يتركنا ضعفاء، وبدون حماية، ومهمشين

———————–

المقال القادم:

الأساطير الإغريقية – شجرة العائلة

“حقا! إنها لعائلة محترمة!”

Page 1 of 912345...Last »