فلاديمير ماياكوفسكي

يمكن القول دون مبالغة أن ماياكوفاسكي كان يملك شرارة العبقرية. لكن موهبته لم تكن موهبةً منسجمة. فمن أين كان يمكن للانسجام الفني أن يأتي في عقود الكارثة هذه، عبر الهوة غير المردومة بين عصرين؟ وفي عمل ماياكوفسكي، تنتصب الذُّرَى جنباً إلى جنب المهاوي السحيقة. وفسحات العبقرية تفسدها مقطوعات شعرية تافهة، بل وابتذال صارخ.

ولد ماياكوفسكي، في العقد الأخير من القرن التاسع عشر:، وتحديداً، في عام 1893. الزمن الذي كانت فيه البلدان والشعوب التي تهيمن عليها الامبراطورية الروسية تئن تحت نير الاستبداد والعبودية، وفي الوقت ذاته كان الثوريون من مثقفين وعمّال وفلاحين وتنظيمات ثورية سرية وعلنية تقود المقاومة ضد النظام القيصري.ولد فلاديمير ماياكوفسكي، شاعر المستقبل، في قرية بغدادي؛ من أعمال جورجيا، في تلك القرية النائية، قضى طفولته الأولى. كان أبوه يعمل حارساً أو مشرفاً على الغابات. وكانت أمه، ابنة عسكري، تهوى الشعر والرسم.
كان الأب رجلاً كريماً مضيافاً؛ فمن النادر أن يمضي يوم من غير أن يستقبل أبوه في بيته الضيوف. وفي البيت المضياف، سمع الصغير فلاديمير اللغات المختلفة من الضيوف المنتمين إلى قوميات مختلفة متعددة اللغة: الروسية، الجورجية، التترية والأرمنية.
عندما بلغ فلاديمير الثامنة من عمره، حملته أمه إلى بلدة كوتايسي، إذ لم يكن في قريته بغدادي مدرسة بعد.
في سني تعليمه الأولى أحس الصغير فلاديمير بالاغتراب، واصطدم بالفوارق الطبقية بينه وبين زملائه، أبناء الموظفين الروس المتعجرفين، ومن يومها أحس بالاضطهاد الطبقي، وفي عام 1905 بدأ فلاديمير وهو في بداية سن المراهقة التعرف إلى الكتابات الثورية العلنية والسرية، والتي كانت تأتي بها أخته (لودميلا) من موسكو حيث كانت تدرس. وبشكل تلقائي وطبيعي، وجد نفسه منضماً إلى الحلقة الماركسية في (المدرسة العليا) في بلدة كوتايسي. اشترك فلاديمير في تشرين الأول عام 1905 في أول مظاهرة سياسية، نُظمت في كوتايسي) بمناسبة الجنازة التي أقيمت في موسكو للبلشفي (نيقولا باومان) الذي اغتالته جماعة المئة السود الرجعية، وفي العام التالي، أي في عام 1906 توفي والده بشكل مفاجئ.
بوفاة والده، انقلبت حياة الأسرة رأساً على عقب. وبقيت الأسرة، دون أي مصدر رزق يذكر، سوى عشرة روبلات ـ تقاعد الأب ـ فاضطرت الأم للرحيل إلى موسكو. ومنذ تلك اللحظة أحس فلاديمير ذو الثلاثة عشر عاماً بالمسؤولية الكبيرة، كونه «رجل» الأسرة الوحيد. عاشت الأسرة في موسكو الفقر المدقع. كتب الشاعر فيما بعد في مذكراته: «عشنا في فقر. عشرة روبلات لا تكفي. أنا وأختاي في المدرسة، فاضطرت الأم لتأجير غرفة، والذهاب للعمل، كانت روسيا هي حلم حياتي، ولم يمثل أي شيء آخر لدي مثل هذه الجاذبية المرعبة».
التحق فلاديمير في موسكو بالمدرسة الثانوية، وهناك انضم إلى حزب العمل الاشتراكي الديمقراطي الروسيوجناح البلاشفة، وشارك بقوة في الدعاية السياسية بين عمال موسكو، وهذا كان سبب اعتقاله للمرة الأولى في 29 آذار 1908، في مبنى المطبعة السرية للحزب الاشتراكي الديمقراطي، لكن صغر سنه شفع له هذه المرة، فأفرجوا عنه ليوضع تحت رقابة الشرطة. بعدها التحق بكلية الفنون التطبيقية، وعلى الرغم من الرقابة الصارمة، بقي ناشطاً،يقوم بتوزيع المنشورات السياسية، فاعتقل شتاء 1909للمرة الثانية، لمدة أربعين يوماً، أيضاً، شفع له صغر سنه، فأطلقوا سراحه. ولكن بعد ستة أشهر، أي في صيف 1909اعتقل للمرة الثالثة، حين اشترك في عملية تهريب ثلاث عشرة سجينة سياسية من سجن نوفنسكايا لكن هذه المرة سجن قرابة العام، في زنزانة منفردة، كما يتذكر في الزنزانة (103). ويصدر الحكم بحق الفتى، بنفيه لمدة ثلاث سنوات، لكن استعطاف أمه واسترحامها من جهة، وصغر سنه من جهة ثانية؛ إذ لم يكن قد بلغ الثامنة عشرة، ومن أجل رعاية أمه وأختيه أفرج عنه. في السجن، كتب قصائده الأولى، وهناك قرأ بايرون، وشكسبير وقرأ الأدب الروسي؛ بوشكين، وليرمنتوف، ودوستويفسكي.

بعد خروجه من السجن، يعلن ماياكوفسكي: «أريد أن أصنع فناً اشتراكياً». فانتسب مجدداً إلى مدرسة موسكو للرسم. هناك تعرف إلى جماعة المستقبليين. في البداية، أعجب ماياكوفسكي بأفكار المستقبليين، الذين أعلنوا التمرد على الماضي، ونادوا بالإطاحة بالتراث الكلاسيكي ودعوا إلى تحرير الشعر من كل قيد. ونبذوا كل ما يمت إلى الأصالة الشعرية بصلة. ولم يكتفوا بذلك، بل كان سلوكهم الاجتماعي فيه شيء من الغرابة، فأخذوا يرتدون الثياب ذات الألوان الفاقعة، ويربطون المناديل في أعناقهم، بالإضافة إلى استخدام كلمات بذيئة في أثناء المناقشات الأدبية. لم يستمر ماياكوفسكي طويلاً مع جماعة المستقبليين، فأدار لهم ظهره، واتجه بكليته إلى الفن الواقعي، لكنه حافظ بقوة على التجديد الشعري المؤسس على تقاليد الشعر الروسي العريق.
ومن قصائده قبل الثورة، قصيدة هامة بعنوان: غيمة في سروال. وتعد هذه القصيدة من أهم قصائد ماياكوفسكي وأنضجها، قبيل الثورة، بدأها عام 1914، وكان عمره اثنتين وعشرين سنة. كان عنوان القصيدة في البداية: «الحواري الثالث عشر». لكن الرقابة لم توافق على هذا العنوان، فاضطر لتغييره إلى: غيمة في سروال قاصداً التهكم على الرقابة والسخرية منها، من ناحية، ومن الناس الرخوين من ناحية ثانية. حدّد ماياكوفسكي نفسه مغزى القصيدة، ومضمونها فكتب: (فليسقط حبكم. فليسقط فنّكم. فليسقط نظامكم. فلتسقط ديانتكم) أربع صرخات لأربعة مقاطع. خرج ماياكوفسكي، عن المألوف، فحطّم الوزن والقافية، وحافظ على الإيقاع، مستفزاً مشاعر الجماهير محرضاَ لها.
في أثناء تجوال مجموعة من الشعراء في أرجاء روسيا، يلقون قصائدهم الثورية. فجأة وقع ماياكوفسكي في مدينة أوديسا بحب صبية جميلة، ـ ماريا ألكسيفنا دينيسوفاـ وهذه الفتاة بالإضافة إلى جمالها، كانت فتاة مثقفة، وذكية، وتهتم بكل جديد، ومعاصر، ويبدو أن الشاعر المتميز المجدد قد جذبها، وكانت علاقة حب بينهما. ولكن لم يستمر هذا الحب طويلاً، فالحبيبة التي وقع الشاعر في غرامها تخلت عنه بسرعة لتتزوج من رجل ثري». وهذا ما جعل الشاعر ينقم أكثر على المجتمع البرجوازي، وقيمه المزيفة وعلاقاته التجارية، إذ يعتبر أن (الثراء) والمجتمع البرجوازي، هما اللذان حرماه من حبيبته، وانتزعاها منه، وفي رأيه أنه لا يمكن أن تقوم علاقة إنسانية متكافئة في أحضان المجتمع البرجوازى. تنبأ ماياكوفسكى في قصيدته غيمة في سروال بالثورة التي ستنتصر عام 1916، لكنها تأخرت لعام 1917، وتنتصر الثورة التي بشّر بها، ونذر نفسه لها، وتنبأ بها، بعد عام على تنبئه، في عام 1917، لتكون أول ثورة اشتراكية، دولة الكادحين من عمال وفلاحين ومثقفين ثوريين، ولتصبح أمل ملايين الملايين في أرجاء المعمورة، وتكون هذه الثورة منعطفاً حاسماً ليس في روسيا فحسب، بل في العالم كله، وتبدأ مرحلة جديدة في البلاد، وفي حياة ماياكوفسكي الإبداعية والاجتماعية ويعلن على الملأ: «إنها ثورتي».
فجر ماياكوفسكى كل طاقاته ومواهبه، وعمل في كل الاتجاهات، من أجل ترسيخ مبادئ الثورة الاشتراكية الفتية، فشارك في كل نشاطات الحزب، وألقي القصائد الحماسية في منظمات الشباب والعمال والفلاحين، ويضمن قصائده شعارات الثورة التي لم يألفها الشعر الروسي من قبل، ويدافع عنها بقوة وحزم، مبرراً ذلك بأن الفن يجب أن يكون في خدمة المجتمع والشعب، مستجيباً لمتطلبات المرحلة وقضايا جماهير الكادحين العادلة والمصيرية. وتضيق به حلبات موسكو على اتساعها، فينطلق إلى أرجاء روسيا ومدنها الكبيرة إلى المعامل، والمزارع، وكل التجمعات البشرية ليلقي قصائده الثورية، محرضاً من أجل ترسيخ مبادئ الاشتراكية، ولم يكتف بذلك، بل كتب المسرحيات والسيناريوهات للسينما، ومثّل فيها أيضاً، وعمل في كل مجال له علاقة بالجماهير العريضة، حتى كتب الشعارات الثورية واللافتات في الشوارع، وعلقها بيديه.
سافر ماياكوفسكي إلى ألمانيا وفرنسا عام1922، وتعرف إلى أوروبا، وكرر زياراته إلى هذين البلدين، كما سافر إلى المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية، وهناك أعلن: «جئت لأدهش، لا لكي أندهش». لم يعجب كثيراً بحضارة الغرب، وخاصة، أمريكا. وفي كل العواصم التي زارها، كان ماياكوفسكي يلقي قصائده، ومحاضرات عن ثورة أكتوبر العظمى، وعن الاشتراكية، وعن الأدب الروسي، وكان يلتقي الشخصيات الأدبية المشهورة. وأحب ماياكوفسكي باريس، وطاب له المقام فيها وقال: «باريس جميلة، ظاهرة مدهشة، متناقضة ومعقدة، لكن باريس لم تعط الإنسان السعادة بعد». تعرف في باريس عام 1928على تتيانا ياكوفلوفا من أصل روسي، وأحبته وأحبها، ووعدها بالزواج، لكنه غادرها، ولم يستطع العودة إليها، وحبيبته تانيا هذه لم تنتظره. فتزوجت من غيره، وهذا ما آلمه. كان ماياكوفسكي يعود من الغرب وكله إيمان ببشاعة [[الرأسمالية]، ويزيد من ذلك حبه لوطنه الاشتراكي، وتتجدد حماسته، لترسيخ قيم الحب والخير والجمال والعدل، في الوطن الذي طالما حلم به وناضل من أجله، ولكن اصطدم الشاعر بالمتسللين إلى الحزب وبالمتسلقين، وبالانتهازيين وبالبيروقراطيين، الذين استلموا مناصب في جهاز الحزب والحكومة. كان ماياكوفسكي قد ناضل وكافح وضحّى من أجل الثورة ضد البرجوازية والقياصرة، فإنه بعد انتصار الثورة صار يناضل ضد كل أشكال البيروقراطية، والانتهازية، التي بدأت تتفشى في الحزب والدولة. وقد استغل بعض المقربين من لينين، رأي قائد الثورة في جماعة المستقبليين، بشكل عام، وفي شعر ماياكوفسكي بشكل خاص، وأخذوا يهاجمون ماياكوفسكي ويحاربونه علناً. وكان لينين قد أعرب أكثر من مرة عن عدم ارتياحه لشعر المستقبليين وفوضويتهم، وهذيانهم. وكان يعد مايكوفسكي منهم ولينين نفسه لام لوناتشارسكي لوماً شديداً، كيف سمح بطباعة خمسة آلاف نسخة من قصيدة مايكوفسكي (150.000.000 ـ مئة وخمسون مليون هذا هو مطلع قصيدة 150.000.000 التي لم تعجب لينين قائد الثورة، والتي حطم فيها مايكوفسكي القافية والوزن، وحافظ على الإيقاع، ولينين اعتاد الشعر الكلاسيكي لكن الجدير بالذكر، أن الشاعر لم يقف الموقف ذاته من لينين، ولم يعتب عليه، ولم يحقد لرأيه في شعره، فعندما مات لينين ـ 1924، كتب ماياكوفسكي قصيدته ـ الملحمة ـفلاديمير إيلتش لينين. ويُعد النقاد هذه الملحمة من روائع ماياكوفسكي على الرغم من أنه تخلى كثيراً عن فنية القصيدة على حساب المضمون السياسي
لقد آلم ماياكوفسكي. وهو شاعر الثورة، التي ضحى من أجلها بكل شيء، أن يرى نفسه محاصراً من الجهات المسؤولة في الحزب والدولة، وآلمه أكثر أن بعض أصدقائه سكتوا عن المهازل التي ترتكب بحق شاعر الثورة. فمن جهته، كشاعر، وثوري، وشيوعي، وإنسان، لم يستطع مهادنة الانتهازيين، وذوي المنافع الشخصية، فكتب مسرحياته الناقدة اللاذعة، وقصائده التي تفضح هؤلاء البيروقراطيين، الذين كرسوا الروتين القاتل الذي يشل العقل والتفكير، فكتب قصيدته مجنون الاجتماعات، أثنى عليها لينين قائد الثورة وأحبها، لأنها فضحت أولئك الذين يخرجون من اجتماع ويدخلون في آخر، فثمة مواطن يأتي إلى مؤسسة رسمية مراجعاً، منذ الفجر الأول وحتى غياب الشمس، لا يجد مسؤولاً واحداً، أين هو؟ في اجتماع ثقافي، في اجتماع شبيبي، في اجتماع إنتاجي، في اجتماع.. الخ. فماياكوفسكي، ولينين لم يحبذا كثرة الاجتماعات وهدر الوقت في الثرثرة، والكلام الفارغ دون جدوى، في حين عشرات الآلاف من العمال خلف الآلات، ومن ثم كتب قصيدته الرائعة فظائع الأوراق التي يفضح فيها الروتين الظالم والبيروقراطية، كما استهل قصيدته عن الهوية السوفيتية: «لو كنت ذئباً لقضمت البيروقراطية» لكن البيروقراطيين، كانوا له بالمرصاد، فشددوا الحصار عليه، وتوجه النقاد المتزمتون ضيقو الأفق، بالسخرية والتهكم منه ومن أشعاره، وراحوا يشنون الحرب عليه علناً، شاركهم بذلك أساتذة الجامعات والمعاهد الذين طالبوا بعدم خروج الشعر الروسي عن المألوف، ومع كل هجوم جديد كانت شعبية ماياكوفسكي تزداد، على الرغم من الحملات المسعورة المنظمة ضد هذا الثائر على الشكل والمضمون ليس في الشعر فحسب، بل على كل مظاهر الفساد في أجهزة الدولة وفي صفوف الحزب، والتي كانت في رأيه تخون الطبقة العاملة باسم الطبقة العاملة. ولم يكتفوا بالنقد اللاذع والتهكم المرير، وإلصاق التهم الخرقاء بالشاعر، بل سحبوا مؤلفاته من المكتبات، ورفضوا طباعة أعماله الجديدة.

Share this post