قاطع الخيرزان – ياسوناري كاواباتا

تعتبر رواية «حكاية قاطع الخيزران» أول عمل أدبي في اليابان ويعتقد بأنها كتبت ما بين منتصف القرن التاسع وبداية القرن العاشر وذلك قبل أن يثور بركان جبل فوجي. هذه الرواية من الأعمال الأدبية التي يعرفها جميع الشعب الياباني وتوارثتها الأجيال على مر العصور، وأعيدت كتابتها مرات ومرات من قبل كبار الكتاب اليابانيين مثل ياسوناري كاواباتا.
ويعتقد بأن هذه الأسطورة قد كتبت من قبل رجل بهدف الترفيه عن الرجال في بلاط النبلاء، في العهد الذي كان فيه رفض طلب زواج تقدم به أحد النبلاء أقرب إلى المستحيل.
وهكذا فإن رفض بطلة الحكاية وتدعى الأميرة المشعة (هاغويا هيم) لعروض الزواج بما فيهم امبراطور اليابان أمر غير مألوف. وتعود سعادة هؤلاء النبلاء في قراءة هذه الحكاية إلى نوع المتعة الماسوشية المتمثلة في الرفض.
علما بأن المرة الأولى التي تجرأت فيها المرأة اليابانية على كتابة الأدب كان في أوائل القرن الحادي عشر، وذلك حينما كتبت الأديبة موراساكي شيكيبو «حكاية جينجي».
ويعتقد الباحثون في الأدب الياباني بأن حكاية قاطع الخيزران كانت بمثابة بداية للفلوكلور الياباني ويتجلى فيها التأثر بحضارة الصين، فاليابان كانت في ذلك العهد تقدس الشمس أما الصينيون فكانوا يقدسون القمر، ومن خلال متابعة أحداث الحكاية يتجلى تأثر اليابانيين بالديانة البوذية في الهند أيضا.
تبدأ هذه الحكاية التي تدعى باليابانية «تاكيتوري مونوغاتاري»، حينما يتوقف الحطاب العجوز عن العمل في حقل الخيزران. حيث يتناهى إلى سمعه من بين قصب الخيزران صوت أشبه ببكاء طفل. وبدافع الفضول يبدأ بالبحث بين العيدان الممتشقة.
وسرعان ما يلاحظ بأن مجموعة من عيدان الخيزران تتوهج بأشعة الشمس أكثر من غيرها، حينها يبدأ بقطع تلك العيدان ليعثر في أحدها على رضيعة صغيرة لا يتجاوز طولها ثلاثة إنشات، وتشع بنور غامض. وعلى الرغم من دهشته كان سعيدا. يصطحب معه الرضيعة إلى منزله وهو يحملها داخل راحة كفه.
وبمساعدة زوجته اعتنيا بالطفلة وأحباها كابنتهما سيما وأنهما حرما من الإنجاب. واعتبرا بأن هذه الطفلة بمثابة هدية من الله وأسمياها الأميرة المشعة لحسنها وجمالها. ومثل سرعة نمو الخيزران فقد نمت هذه الرضيعة خلال ثلاثة أشهر لتصبح فتاة راشدة.
وخلال تلك المرحلة كان الحطاب يعمل كالمعتاد في حقله، وكان بين الحين والآخر يعثر على عود من الخيزران مليء بالذهب. وهكذا على الرغم من فقرهما المدقع قبل العثور على الفتاة، باتا مع مضي الزمن ينعمان بالمال بما يكفيهما ويزيد. وقد أنفقا النقود على الفتاة واشتريا لها الملابس الجميلة والهدايا وذلك لحبهما الشديد لها.
وقد حاول الحطاب وزوجته إبقاء وجود الأميرة سرا. ولكن بعد مضي عدد من السنوات بات الأمر مستحيلا، وهكذا تناقل السكان في المنطقة وخارجها الكلام عن جمالها الآسر. وبدأ الخطاب بالتوافد لطلب يدها وأوضح لهم العجوز بأن لا يملك حق الموافقة لأنها ليست من صلبه.
وكان من الواضح أن الأميرة المشعة غير مهتمة بالزواج. وحينما أصر خمسة من الخطاب على طلب يدها بلا تراجع، بينت لهم أن موافقتها على الزواج مرهونة بمن يستطيع تلبية طلبها.
لم ينجح أي منهم في تنفيذ المهمة الشاقة لتلبية مرادها، وذلك إما بسبب كذبهم أو حماقتهم. حتى إمبراطور اليابان الذي سمع بجمالها وقصتها، تمنى الزواج منها، لكنها رفضته أسوة بغيره.
راقب العجوز وزوجته ما يجري بقلق، سيما مع تقدمهما بالعمر وحاجتهما للاطمئنان على حياتها في كنف زوج يحميها. وعلى الرغم من جميع محاولاتهما لم يستطيعا إقناعها بفكرة الزواج.
وفي إحدى الليالي استيقظ العجوز من نومه ليسمع تنهدات بكاء الأميرة المشعة. وقرر أن عليه الاعتذار منها في اليوم التالي لمحاولته إجبارها على الزواج. لكن الأميرة استمرت في البكاء ليلة بعد أخرى.
لم تكن تستطيع السيطرة على دموعها، إلا أنها تمكنت من إخفاء حزنها خلال النهار. كان العجوز يتساءل عن حالها وفي النهاية تجرأ وسألها عن سر البكاء. فقالت «لم أكن أود إخبارك، لأنني لا أريدك أن تحزن أيضا، إلا أنني لا أستطيع البقاء معكما لوقت طويل» وتابعت:
عثرت عليّ في حقل القنب، وعليه فأنت تعلم بأنني لا أنتمي إلى هذا العالم. أنا من القمر، وأرسلت إلى هنا كعقاب لي على جريمة ارتكبتها في الماضي. إن والدي الحقيقيين وعائلتي ينتظروني في القمر، وعليه يفترض أن أكون سعيدة، ولكن .. لا أريد مغادرتكما أنتما الاثنان. فأنتما بمثابة عائلتي الآن.. لكن علي الذهاب.. لن يمنحاني المزيد من الوقت.
وهكذا يستنجد العجوزان بالامبراطور الذي كان يتبادل المراسلات مع ابنتهما لمدة ثلاث سنوات. يتأثر الامبراطور المحب للأميرة، ويتعاطف مع ألم الوالدين الأكبر من عذابه سيما وأنها عاشت معهما لمدة عشرين عاما، ولا يتردد في إرسال 2000 جندي للإحاطة ببيت الأميرة في ليلة أغسطس الموعودة التي يكون القمر فيها بدرا.
ومع ظهور القمر من بين السحب يشعر جميع الجنود بالضعف والنعاس، وبخدر في أطرافهم، ليتحول كل ذلك إلى حالة شلل كاملة لدى رؤيتهم لأجمل بشر يمكن لهم رؤيتهم في حياتهم يطوفون في الأرض تحت أشعة القمر، إلا أن حب العجوز للأميرة ساعده على التحرر من حالة الخدر، وانحنى أمامهم يتوسل بقاء الأميرة معه لمعاناتها من المرض.
وفي لحظة الوداع وقبل ارتفاعها إلى الفضاء تهمس الأميرة في أذن والدها قائلة بأنها تركت رسالتين، واحدة لهما والأخرى مع زجاجة للامبراطور. وأخبرته بأن السائل في الزجاجة هو اكسير الخلود في الحياة، وتتمنى لهم مع تناوله البقاء بصحة جيدة على الدوام.
ومع الفراق يفقد الوالدان أية رغبة في الحياة ويرسلان الزجاجة مع الخطاب إلى الامبراطور. وبعدما يقرأ الامبراطور الرسالة ويعلم بموت الوالدين حزنا وكمدا، تهيمن عليه الكآبة، ثم يأمر رجاله بأخذ الزجاجة والرسالة إلى قمة جبل فوجي، ورميهما في الفجوة، وذلك لكون هذا الجبل الأقرب إلى القمر.
ونظرا لكون الزجاجة تحوي اكسير الخلود فمنذ رميها في فوهة الجبل والنار تشتعل فيه ويمكن في الليل رؤية الدخان يتصاعد باتجاه القمر.

ترجمة و تعليق : رشا المالح

 

صفحته على فيسبوك


Share this post