مكتبة بابل – بورخيس

ترجمة وتقديم هنري فريد صعب
بعد نهاية الطوفان، شرع نسل نوح في بناء برج بابل في سهل شنعار، المنطقة التي تمتد بين بابل وأُرك وكلنة وأكد، وكانت ضمن مملكة نمرود، بغية أن يجمعهم مكان واحد من الأرض فلا يتبدّدون على وجه الأرض الواسعة. وكان في قصدهم جعل العالم كله مملكة واحدة، عاصمتها هذا المكان الذي اختاروه في ارض شنعار وسمّي بابل. وليقيموا لأنفسهم اسماً ومجداً دلالة على كبريائهم (سفر التكوين 11 :4). الا ان الرب لم يكن في قصده تجمّع الناس بعد الطوفان بل انتشارهم لتعمير الأرض. ثم لم يكن من مصلحة الناس أن يلجأوا الى طرقهم في تحدي الرب، فبلبل الرب ألسنتهم، وصار اسم البقعة بابل، من الفعل “بلبل” العربي، والعبري “بلل”. وبسبب هذا التشتت، والطقس والتربة واختلاف طرق المعيشة، نشأت اجناس الناس وتكونت لغاتهم المختلفة (قاموس الكتاب المقدس).

هذا البرج في نظر بورخيس، هو بالطبع مكتبة. والادب طالما حلم بأن يثبت ان الكون كتاب. وليس علينا لنحقق ذلك سوى أن نكتبه. هي ذي المثالية. لكن الادب، وهو يضع كتابه، يدرك أنه لا يستطيع أن ينشئه الا على الخلل الذي يجبره على وضعه. وان الصورة عن طاقة العالم لا تتطابق مع الادب الا بشرط أن تقترن بهذا الخلل. مذ ذاك، والكتاب القادر على احتواء شمولية الأشياء لا يمكنه ذلك ان لم يحو صورته بالذات، وإن لم يكن وصفاً لهذه الصورة، ووصفا لهذا الوصف. وما هذه المجلدات التي لا نتوقف عن كتابتها، في الواقع، سوى ما نسميه الأدب. قصة “مكتبة بابل” هي برهان المحال على هذه الحقيقة. هذه المكتبة تتألف من جميع الكتب التي يمكن الحصول عليها، من طريق تبديل كل التراكيب الممكنة للخمسة والعشرين رمزا املائيا، اضافة الى فهرس الفهارس الجامع. هذا ما يقوله بورخيس. ولكن هل من الممكن وجود مثل هذا الفهرس؟

لنفترض أن المكتبة مرتبة، بحسب تسلسل الحروف. فلتحديد موقع الكتاب A ووصفه، يرجع اولا الى الكتاب B الذي يشير الى موقع الكتاب A ويصفه وهكذا شأن الكتاب B فالكتاب C الخ… ما يعني ان على فهرس بابل أن يعيد انشاء مكتبة ثانية مماثلة للأولى، وهذه تحتويها. هذا محال افتراضيا، إن تكن الكتب متنوعة. النتيجة ان عالما محدودا وكليا لا يمكنه ان يحتوي صورته. اذاً، فإما ان يكون عالمنا لا محدودا ولا كليا، وإما أنه لا يحتوي صورته. ما يعني ايضاً ان الفلسفة (والأدب) غير ممكنين إن يكن للعالم معنى، وممكنان إن يكن بلا معنى.

الكتاب في ذاته، كما حلم به مالارميه، الذي يفسر كل الكتب الأخرى ووجود المكتبة بالذات على رغم ما يتصوره بورخيس، لا وجود له في بابل. لكن هذا الكتاب في عالم كعالمنا، لا هو حقيقي حقا ولا وهمي حقا، يوجد على الأقل كاحتمال، كرهان، كصورة ناقصة، لم تكتمل قط، توفق بين الشمولية واللانهائية. اي اللجوء الى الأدب أولا وآخراً. فالأدب وحده قادر على احتواء العالم لأنه يعيد تصوير خلله. الشمولية المتخيلة التي يبنيها، تثبت له ان الحقيقة ليست سوى تجاوزها.

بورخيس، اكبر كاتب قصة فانتازية ذهنية في العالم، بشهادة إيتالو كالفينو، هو اول من أدرك أن الأدب، كي يتوصل الى حقيقته المستحيلة، يتطلب أن يكون مختلفا كليا. وقد ذهب حتى الى توهّم ذاته: توهّم بورخيساً آخر يسكنه، كما هو يسكن بورخيساً آخر الى ما لا نهاية. وعليه، يطرح السؤال نفسه: اي بورخيس يكتب الآن؟

وضع بورخيس هذه القصة التي تترجّح بين المقال والسرد كعادته، اثناء توليه إدارة المكتبة الوطنية في بوينوس آيرس. ويقول في حديث أجري معه انه انطلق بها من فكرة مجردة جد قديمة، سبق لشيشرون أن صاغها، وهي أن الكلمات وتالياً الأفكار ليست سوى تراكيب حروف. ثم حاول أن يصنع من ذلك كابوساً. وهكذا، من هذين العنصرين، التراكيب الحرفية والكابوس، أقام عالماً مركباً كمكتبة.

“بهذا الفن يمكنك أن تتأمل في تغيّرات الحروف الـ23…”

روبرت بورتن: تشريح السويداء

إن الكون (الذي يسمّيه آخرون المكتبة) يتألف من عدد غير محدد، وربما لانهائي من القاعات السداسية الزوايا، وقد توسّطتها مناور واسعة للتهوية تحيط بها درابزينات جد منخفضة. من كل من هذه السداسيات نبصر الأدوار السفلى والعليا بلا انتهاء. توزيع القاعات ثابت. عشرون رفاً طويلا، بواقع خمسة من كل جانب تغطي كل الجدران باستثناء اثنين، وارتفاعها الذي يعادل ارتفاع الأدوار بالذات، يكاد لا يتجاوز قامة أمين مكتبة ذي بنية عادية. أحد الجانبين المستثنيين، يؤدي الى رواق ضيق ينفذ الى قاعة أخرى مشابهة للأولى ولكل القاعات. الى يسار الرواق ويمينه، ثمة حجرتان جد صغيرتين. احداهما تخوّل المرء أن ينام واقفاً، والثانية لقضاء حاجته. على مقربة منهما يمر السلم الحلزوني الذي يغور أو يرتفع على مدى النظر. في الرواق توجد مرآة تضاعف الظواهر بأمانة. يستنتج الناس عادة من هذه المرآة أن المكتبة ليست لانهائية. فلو كانت كذلك فعلا، فما الداعي الى هذه المضاعفة الوهمية؟ من جهتي، افضّل أن اتصوّر ان تلك السطوح الصقيلة انما هي ترمز الى اللانهائي وتعد به… وثمة ثمار كرويّة ينبثق منها الضوء تسمّى لمبات. وقد خصّت كل قاعة سداسية، بلمبتين وضعتا في خط مستعرض. انما الضوء الذي تنشره هذه اللمبات غير كاف، ومتواصل.

وكما كل الناس في المكتبة، سافرت في شبابي، قمت برحلات بحثا عن كتاب، وربما عن فهرس الفهارس، واليوم، بعدما صار يصعب على عينيّ ان تقرأا ما اكتب، فإني أتهيأ للموت على بعد بضعة فراسخ من السداسية حيث ولدت. عند موتي، لن تنعدم اياد رحيمة لتقذف بي من فوق الدرابزين، وسيكون قبري الهواء الذي لا يُسبَر غوره، وسيغوص جثماني طويلا، وسيتلف وسيتحلل في الريح التي يحدثها سقوطه اللانهائي. اني اؤكد أن المكتبة لا نهاية لها. ويرى المثاليون ان القاعات السداسية هي شكل ضروري للفضاء المطلق أو على الأقل لفضائنا الحدْسي. هم يعتبرون ان القاعات الثلاثية الزوايا او الخماسية غير معقولة. (يزعم المتصوفة أن الانخطاف يكشف لهم عن حجرة دائرية، تضم كتاباً ضخماً دائرياً ذا متن متواصل يلف كل الجدران، لكن شهادتهم مشكوك فيها وكلماتهم غامضة: هذا الكتاب الدائري هو الله). وأكتفي الآن بأن أردد هذه العبارة الكلاسيكية: “المكتبة هي كرة، مركزها الحقيقي أيّ سداسية، ومحيطها يتعذر بلوغه”.

كل جدار من هذه السداسية يحمل خمسة رفوف، كل رف يحوي اثنين وثلاثين كتابا من قطع موحد، كل كتاب مكوّن من اربعمئة وعشر صفحات، كل صفحة من أربعين سطراً، وكل سطر من ثمانين حرفا اسود. وهناك ايضاً حروف على متن كل كتاب، وهذه الحروف لا تشير الى ما ستقوله الصفحات او تنبىء به. أعرف ان هذا التناقض بدا غامضاً أحياناً. وقبل أن أوجز الحل (الذي قد يكون اكتشافه، على رغم انعكاساته المأسوية الحدث الرئيسي في الحكاية) أود التذكير ببعض البديهيات.

أولاً: المكتبة موجودة ab aeterno (منذ الأزل). هذه الحقيقة التي تتمثّل نتيجتها الطبيعية المباشرة في أزلية العالم المستقبلية، ليس في وسع عقل مفكّر أن يضعها موضع شك. من الممكن أن يكون الانسان، أمين المكتبة اللاكامل، من عمل المصادفة أو خالقين أشرار؛ أما الكون، بما يملك من هبة رائعة من الرفوف، من المجلدات الملغزة، من السلالم التي لا تكلّ من أجل المسافر، ومراحيض لأمين المكتبة وهو جالس، فلا يمكن أن يكون إلاّ من عمل إله. ولإدراك المسافة القائمة بين الإلهي والانساني، يكفي أن نقارن هذه الرموز الفجّة والمتذبذبة التي تخربشها يدي المعرّضة للخطأ على غلاف كتاب بالحروف العضوية في داخله: واضحة، دقيقة، شديدة السواد، ومتناسقة في شكل يتعذّر تقليده.

ثانياً: إن عدد الرموز الإملائية خمسة وعشرون. وقد سمح هذا الاثبات منذ ثلاثمئة سنة، بصوغ نظرية عامة للمكتبة، وبحل المشكلة التي لم يفك شفرتها اي حدس بصورة مرضية وهي: الطبيعة المشوهة والفوضوية لجميع الكتب تقريباً. أحد هذه الكتب، وقد اكتشفه والدي في سداسية من الدائرة 15-94، كان يضم الحروف MCV المتكرّرة بصورة مضلّة من أول سطر الى آخر سطر. كتاب آخر (يُستوضح كثيراً في هذه الدائرة) هو متاهة خالصة من الحروف، غير أن الصفحة قبل الاخيرة تقول: “أيها الزمن أهراماتك”. وكما هو معروف: هناك مقابل كل سطر معقول، أو كل معلومة صحيحة، فراسخ وفراسخ من التنافرات الصوتية الرعناء، والهُراء اللفظي، والتفكّك. (أعرف منطقة جبلية، يدحض فيها أمناء مكتباتها عادة البحث العبثية والوهمية عن معنى ما في الكتب، ويرونها أشبه بعادة البحث عن معنى في الأحلام أو في خطوط اليد المشوّشة… وهم يقرّون بأن مبتكري الكتابة قاموا بتقليد الرموز الطبيعية الخمسة والعشرين، لكنهم يؤكدون أن هذا التطبيق هو من قبيل المصادفة وأن الكتب لا تعني شيئاً في حدّ ذاتها. وسنرى أن هذا الرأي ليس مخطئاً تماماً).

على مدى زمن طويل، ساد اعتقاد بأن هذه الكتب العصيّة على الفهم تنتمي الى لغات الماضي أو العهود القديمة. صحيح أن الناس الأقدمين، أمناء المكتبات الأولين، استخدموا لغة جدّ مختلفة عن اللغة التي نتكلمها الآن؛ وصحيح أن اللغة، على بُعد بضعة أميال الى اليمين، تصبح محلية، وغير مفهومة في الأدوار التسعين العليا. كل ذلك صحيح، أكرّر، لكن اربعمئة وعشر صفحات من الحروف MCV بدون تغيّر، لا يمكن أن تنتسب الى أي لغة، محلية أكانت أم بدائية. لقد ألمح البعض الى أن كل حرف يمكن أن يؤثّر في الحرف اللاحق، وأن مدلول الـMCV في السطر الثالث من الصفحة 71، ليس هو نفسه في المجموعة نفسها في مكان آخر وصفحة أخرى، لكن هذا الافتراض المبهم لم يلق النجاح. وذهب آخرون الى اعتبارها كتابات مشفّرة؛ وقد لاقت هذه الفرضية قبولاً بالاجماع، وإن يكن ليس بالمعنى الذي صاغه واضعوه.

منذ خمسمئة سنة مضت عثر رئيس قاعة سداسية علياعلى كتاب مربك كباقي الكتب، لكنه يحتوي صفحتين تقريباً من السطور المتجانسة. فعرض لُقيته على قارئ شفرات متجوّل، فأخبره أن السطور مكتوبة بالبرتغالية؛ وزعم آخرون أنها باليديش. وقبل مضي قرن، تم تحديد اللغة: كانت لهجة سامويدية – ليتوانية من لهجات الغواراني، مع تغيرات جَرْسية بتأثير من العربية الفصحى. كذلك فُكّت شفرة المحتوى: كانت معلومات عن التحليل التوفيقي، موضّحة بأمثلة من المتغيرات متكررة بلا انتهاء. وقد خوّلت هذه الامثلة أمين مكتبة نابغة أن يكتشف قانون المكتبة الأساسي. هذا المفكّر لاحظ أن هذه الكتب، على رغم اختلافها، تتكوّن من عناصر موحّدة: الفُسحة، النقطة، الفاصلة، وحروف الهجاء الاثنان والعشرون. وزعم ايضاً أمراً أكده جميع الرحالة وهو: “ليس في المكتبة الشاسعة، كتابان متطابقان”. وقد استُنتج من هاتين الفرضيتين المنطقيتين غير القابلتين للتبدّل، أن المكتبة كلية، وأن رفوفها تدوّن كل التراكيب الممكنة للعشرين ونيّف من الرموز الاملائية (وهو عدد على رغم ضخامته، ليس لانهائياً)، أي كل ما يمكن التعبير عنه في كل اللغات. كل شيء: تاريخ المستقبل الدقيق، السير الذاتية لرؤساء الملائكة، ألوف والوف من الفهارس الزائفة، البرهان على زيف هذه الفهارس، البرهان على زيف الفهرس الحقيقي، إنجيل باسيليوس الغنوصي، شرح هذا الانجيل، شرح شرح هذا الانجيل، قصة موتك الحقيقية، ترجمة كل كتاب في كل اللغات، التضمينات النصيّة من كل كتاب في كل الكتب، الدراسة التي كان في وسع بيدا Beda أن يكتبها (ولم يكتبها) عن الميثولوجيا الساكسونية، وايضاً كتب تاقيطس المفقودة.

عندما أُعلن أن المكتبة تحتوي كل الكتب، كان أول انفعال سعادة فائقة. فقد أحس جميع الناس بأنهم اصحاب كنز خفي لم يمسسه أحد. لم تكن هناك مشكلة شخصية أو عالمية ليس لها حل بليغ في سداسية ما. الكون وجد نفسه مبرّراً، الكون اغتصب فجأة أبعاد الأمل اللامحدودة. وكَثُر في ذلك الوقت، الحديث عن التبريرات: كتب المدح والنبوءة التي كانت تبرّر على الدوام أعمال كل انسان وتحتفظ بأسرار هائلة لمستقبله. هجر ألوف الطماعين سداسياتهم المريحة حيث نشأوا وانطلقوا يصعدون السلالم، يدفعهم تصميم عقيم على العثور على تبريرهم. كان هؤلاء الرحالة يتنازعون في الممرات الضيقة، ويُطلقون لعنات غامضة، ويتقاتلون على السلالم الالهية، ويقذفون الى قعر الأنفاق بالكتب الخادعة، ويلقون حتفهم على أيدي أناس من المناطق البعيدة. وأُصيب آخرون بالجنون… والتبريرات موجودة (عرفت منها اثنين يتعلقان بشخصين من المستقبل، شخصين غير وهميين ربما)، لكن الباحثين لم يعوا أن احتمال أن يحصل المرء على تبريره، أو حتى على بديل خادع، يقترب من الصفر.

كذلك كانوا يأملون يومذاك أن يُلقى الضوء على لغزي الانسانية الاساسيين: اصل المكتبة والزمان. ومن المحتمل أن يفسَّر هذان اللغزان الخطيران في كلمات: اذا لم تكفِ لغة الفلاسفة، فإن المكتبة المتعدّدة الشكل ستكون أنتجت اللغة المطلوبة التي لم تسمع بها أذن، بمفرداتها، وقواعدها الصرفية والنحوية. وها هي خمسة قرون تمضي، والناس يُرهقون القاعات السداسية… هناك باحثون رسميون، محققون. شاهدتهم وهم يقومون بمهامهم: يصلون دائماً منهكين؛ ويتحدثون عن سلّم بلا درجات كاد يودي بهم؛ يتحدثون عن القاعات والسلالم مع أمين المكتبة؛ أحياناً يتناولون الكتاب الأقرب اليهم ويتصفحونه بحثاً عن كلمات شائنة. والظاهر، أن لا أحد يتوقع أن يكتشف شيئاً.

وقد خلف هذا الأمل الفائق الحد طبعاً، إحباط عنيف. فأن يكون رف ما في سداسية ما يضم كتباً نفيسة يصعب بلوغها، بدا أمراً لا يُطاق. فاقترحت طائفة مجدّفة وقف الابحاث وخلط الحروف والرموز، الى أن يتم تأليف تلك الكتب الشرعية، في مصادفة غير متوقعة. ووجدت السلطات نفسها مضطرة الى إصدار أوامر صارمة. ثم اختفت هذه الطائفة؛ غير أني في طفولتي، شاهدت شيوخاً كانوا يختبئون طويلاً في المراحيض، ومعهم أقراص معدنية في أكواب زهر اللعب المحظور، ويقلّدون بصعوبة الفوضى الإلهية.

على العكس من ذلك، اعتقد آخرون بأن الجوهري هو إتلاف الاعمال غير المجدية. كانوا يجتاحون السداسيات مبرزين تصريحات لم تكن دائماً زائفة، وكانوا يتصفحون مجلّداً في ملل، ثم يُتلفون رفوفاً بكاملها: الى هياجهم الصحي، النسكي، يعود فقدان ملايين الكتب على نحو أخرق. اسماؤهم ملعونة، لكن الذين يبكون على “الكنوز” التي أبادها شعارهم يُهملون أمرين بارزين. أولاً، إن المكتبة ضخمة للغاية، الى حد أن كل بتر لها بأيدٍ بشرية لن يكون الاّ متناهي الصغر. ثانياً، كل كتاب هو فريد من نوعه، ولا يعوّض، ولكن، بما أن المكتبة كلية، ثمة دائماً مئات الالاف من النسخ طبق الاصل شبه الكاملة التي لا فارق بينها الاّ في حرف أو فاصلة. خلافاً للرأي العام، أسمح لنفسي بأن أفترض أن نتائج التخريب الذي اقترفه “المطهّرون”، قد بالغ بها الرعب الذي اثاره هؤلاء المتعصبون. كان يدفعهم هذيان غزو الكتب التي في السداسية القرمزية: كتب من القطع الأصغر من المألوف، كلية القدرة، مزينة بالرسوم، وسحرية.

بلغتنا ايضاً خرافة اخرى من ذلك الزمان: خرافة رجل الكتاب. كان يُظن أن على احد الرفوف في احدى السداسيات، لا بد من وجود كتاب هو مفتاح كل الكتب الأخرى وموجزها الوافي: ذلك الكتاب تصفحه احد امناء المكتبة الذي هو اشبه بإله. ولا تزال هناك آثار من عبادة هذا الموظف القديم. كثيرون جالوا بحثا عنه. على مدى قرن مشطوا عبثا مختلف الاتجاهات. كيف يمكن تحديد السداسية المبجلة التي تؤويه؟ أحدهم اقترح منهجا تراجعيا: لتحديد موقع الكتاب A يستوضح اولا الكتاب B الذي يشير الى موقع الكتاب A، ولتحديد موقع الكتاب B يرجع اولا الى الكتاب C، وهكذا الى ما لا نهاية… في مثل هذه المغامرات بذلت سني عمري وأفنيتها. ولا يبدو لي من المحال أن يكون على احد رفوف الكون، ذلك الكتاب الكلي ، واني ابتهل الى الآلهة المجهولين ان يكون رجل – رجل واحد فقط، منذ آلاف السنين! – قام بتفحصه وقراءته. وان لم يكن لي الشرف، والحكمة، والسعادة، فلتكن للآخرين. فلتوجد السماء، حتى ولو كان مقامي الجحيم. ولأعرّض للهوان والهلاك بشرط أن تبرر “مكتبتك” الهائلة في كائن، ولو للحظة.

يؤكد المجدّفون ان اللغو مألوف في المكتبة، وان ما هو معقول (وحتى الترابط المنطقي البسيط والخالص) هو استثناء شبه معجز. انهم يتحدثون (أعرف) عن “المكتبة المحمومة التي تتعرض مجلداتها المجازفة لخطر التحول الدائم الى أخرى، والتي تثبت كل شيء وتنفيه وتمزجه كإله يهذي”. ان هذه الكلمات التي لا تدين الفوضى فقط، بل تقيم ايضا الدليل عليها، تؤكد بوضوح، فساد ذوقهم وجهلهم الميؤوس منه. في الواقع، تشتمل المكتبة على كل البنى اللفظية، وكل التغيرات التي تسمح بها الرموز الاملائية الخمسة والعشرون، بدون اي لغو واحد اطلاقاً. غني عن الملاحظة أن افضل المجلدات في السداسيّات العديدة التي أتولى ادارتها، تحمل العناوين: الرعد الممشط، التشنج الجبسي وaxaxaxas mlo وهذه العبارات التي تبدو غير مترابطة للوهلة الاولى، يمكن تبريرها بلا شك، شفريا او مجازيا، وهذا التبرير لفظي، ومن المفترض Ex hypothesis وجوده فعلا في المكتبة. مثلا لا يمكنني أن امزج بعض الحروف:

DHCMRLCHTDJ

الا وتكون المكتبة الالهية توقعته، وانطوت واحدة من لغاتها السرية على معنى مريع. لا احد يمكنه ان يتلفظ بمقطع لا يكون مفعماً بالحنان والرعب، ولا يكون الاسم الجبار لاله ما، في واحدة من هذه اللغات، فأن يتكلم المرء، يعني أن يقع في تحصيل الحاصل. وهذه الرسالة اللامجدية والمطنبة التي اكتبها، سبق لها أن وجدت في مجلد من الثلاثين مجلدا، في أحد الرفوف الخمسة، في احدى السداسيات التي لا تحصى – وكذلك وجد دحضها (إن العدد N في لغات محتملة يستخدم المفردات نفسها، وفي بعضها، يقبل رمز “المكتبة” هذا التعريف الصحيح: “نظام كلي ودائم من القاعات السداسية الزوايا”، لكن “المكتبة” قد تعني “الخبز” أو “الهرم” او اي شيء آخر، ويكون للكلمات السبع التي تعرّفها معنى آخر. وانت، الذي تقرأني، هل تثق بأنك تفهم لغتي؟).

ان الكتابة المنهجية تصرفني عن الوضع البشري الراهن. والحقيقة ان كل ما هو مكتوب إما يلغينا وإما يحولنا اشباحاً… اعرف مناطق يجثو فيها الشبان امام الكتب ويقبّلون صفحاتها بوحشية، من دون ان يعرفوا قراءة حرف واحد. ان الاوبئة ونزاعات البدع والارتحالات التي تنتهي حتما الى اللصوصية، قد اهلكت السكان. اخال اني ذكرت الانتحارات التي تزداد كل سنة. وقد يكون تقدمي في السن والخوف يخدعانني، لكني اشك في ان النوع البشري – الأوحد – هو على وشك الزوال، بينما المكتبة ستبقى: مضاءة، منعزلة، لامتناهية، ثابتة تماما، مجهزة بمجلدات نفيسة، غير مجدية، غير قابلة للتلف، وسحرية.

لقد كتبت “لامتناهية”. لم اقحم هذا النعت لمجرد عادة بيانية، وأرى أنه ليس من اللامنطقي ان نفكر في لانهائية العالم. واولئك الذين يحكمون عليه بالمحدودية، انما هم يسلمون بأن الأروقة والسلالم والقاعات السداسية، يمكن ان تختفي بطريقة غير معقولة، في بعض الأماكن السحيقة – وهذا ضرب من العبث. اما الذين يتصورونه بلا حدود، فينسون ان العدد المحتمل من الكبت هو محدود. واجرؤ على ادراج الحل التالي للمشكلة القديمة: “المكتبة غير محدودة ودائرية”. واذا قدر لرحالة ابدي ان يجتازها في اي اتجاه، فان القرون ستظهر له ان المجلدات نفسها تتكرر دائما في الفوضى نفسها، التي إن كررت تصبح نظاما: النظام بالذات. وما يعزي وحدتي هو هذا الأمل الرائع .
مار دل بلاتا 1941


Share this post