sergei

الوجه الروسي الحزين – رحمانينوف


إن قامة سيرجي رحمانينوف الطويلة الضامرة، ووجهه الصلب العنيد، ورأسه الحليق الشعر تذكر الناس بمحكوم هارب. 

لم يره أحد يبتسم أو يحني هامته، ولم ير ذلك الوجه الروسي الحزين يروّح عن نفسه ويخفف ما به من كآبة.. ولكن يديه المعجزتين كانتا تخلقان أنغاما صدّاحة كالبرونز، يؤلفها في بناء صلد فخم. وكما كان هوفمان أعظم من لوّن موسيقاه بالبهجة، كان رحمانينوف في عصره أعظم مؤلف. لقد قال مرة لرحمانينوف “انني لا أخطط لتأليفي، وبشكل عفوي يحدث أن يكون النغم جيدا”. كان هذا تبسيطا مبالغا به، وان كان فيه شيء من الصدق. فهوفمان كان أكثر العازفين عفوية في إداء الصوت، ولكن رحمانينوف لم يكن يستطيع أن يؤدي عمله بهذا الشكل. 

فتحت يديه كانت الموسيقى تصدر بمنطقية لا تقبل الجدل، منسقة بشكل جميل، ومؤداة بشكل معصوم من الخطأ. ليس فيها بدوات، ولا تقلب في الرأي. وعاما بعد عام كان يعزف بنفس الطريقة. وهو عزف أيده كبار التكنيكيين في تاريخ العزف على البيانو بيد يسرى قوية. ومن المحتمل أنه تجاوز بها عزف درايشوك بكثير.. 

في كل حفلة موسيقية يقيمها كان يلاحظ ايقاعه الحاد النبرات، ورجولته وإحساسه الفخم بالإداء. والى هذا رشاقته الموسيقية حيث تتكوّن الجمل بإنجاز تام أنيق. عندما كان يعزف لحنا لليست أو أغنية لشوبرت، كان الناس يدركون كم أن معظم المغنين ينقصهم الخيال وحس الموسيقى . فالقليل منهم من استطاع أن يشكل جملة موسيقية بمثل الجمال والكفاءة والتأثير كما كان يفعل.. كبيرة كانت أفكاره الموسيقية، وطبيعته أرستوقراطية فكان يجعل من كل ما يعزفه نبيلا.. 

ما كانت طريقته بتفسير قطعة موسيقية عملا غريزيا.. كان يدرس كل قطعة كمؤلف كما هو عازف، وكان يحلل بناءها الموسيقي الأساسي، والعواطف فيها كما في الشكل. وفي كل قطعة كان يهدف الى اللحظة التي يبلغ فيها الذروة. أو العبرة كما كان يدعوها. قال مرة لصديقة له هي ماريتا شاجنيان، وكان غاضبا من نفسه بعد احدى حفلاته الموسيقية “ألم تلاحظي أنني فقدت العبرة؟ لقد تركت هدفي يفلت مني.” في مناسبة تالية أوضح أن كل قطعة يعزفها متمحورة حول هدف معين. وكتلة الأصوات جميعها يجب أن تقاس بالعمق والقوة لكل صوت على حدة، وتؤدى بنقاء وتدرج، حتى يصل العازف الى ذروة الهدف بشكل يبدو طبيعيا، بالرغم أن انجاز هذا الأمر هو أعلى مراحل الفن. هذه اللحظة يجب أن تأتي بصوت وتوهج البرق. يجب أن تكون تحريرا لآخر عقدة مادية، ولأخر حاجز بين الحقيقة والتعبير عنها. التأليف نفسه يتطلب هذا الهدف. ويمكن أن يأتي في النهاية أو في وسط القطعة. ويمكن أن يكون عاليا أو رقيقا، ومع ذلك فالنغم عليه أن يكون قادرا على الإقتراب منه بحساب دقيق واثق، فاذا أفلت منه هذا الهدف فان جميع البناء ينهار، والعمل الفني يصبح مائعا، ولا يستطيع أن ينقل الى المستمع ما يجب أن ينقل اليه من أحاسيس. 

كان محترفو العزف يتهيبون رحمانينوف، وقدرته على إنجاز مقطوعات تبدو مستحيلة بسهولة تامة . وعلى عكس كثيرين من العازفين الكبار كانت لديه يدان ضخمتان بامتداد شديد الإتساع مما جعله يقبض على الأكورد بوثوق منقطع النظير . و تكنيكه ليس فيه نقطة ضعيفة في أي مكان. إن الدقة و الرشاقة التي كان ينساب بها في أعقد المقطوعات كانت تترك أنفاس زملائه تنقطع احتراما وحسدا. لم يكن في عزفه سطر واحد مغمغم أو باهت اللون. وكما يستخدم المدوس بلباقة جاعلا أصابعه لا قدميه يقومان بالعمل، كان رحمانينوف قابلا أن يحل النوتات بوضوح لا يصدق، وكان يقول: “يجب أن تدقق في كل زاوية، وتأخذ كل نوتة على حدة حتى تستطيع تجميعها بسهولة فيما بعد. لم يكن في عزفه شطحات أو خروج عن الإيقاع ولم يكن عاطفيا في صوره الذهنية، وكان إداؤه متشددا بالنوتة المطبوعة. يجلس بهدوء أمام آلته. وربما لم يكن هناك من عازف يملك قدرته على الإنجاز، وسيطرته على النغم بإحكام لا عيب فيه ولا خلل ولا تشويش. لم يكن لديه عفوية هوفمان ولا فوضوية فريدمان ولا ذهنية بوسيني، ولا لا ثقافة شنابل. وبدل هذا كان عازفا كامل السيطرة في إدائه، عازفا رومنسيا يتجنب بحرص المبالغة, وتكنيكيا متميزا لا يعزف أبدا لمجرد عرض الذات، رجل متزن، وفنان متزن بأسلوب طبيعي، وإحساس بشاعرية رجولية تلقائية. 

في أواسط العشرينات من القرن العشرين أصبح رحمانينوف معبود الجماهير في العزف على البيانو. وقال الناقد الأمريكي هندرسون الذي يحترم رأيه في 1930 عن عزف رحمانينوف لسوناتا شوبان مينور: B ” كل شيء كان رائعا محكما جليلا، ولم يبق لنا إلا أن نحمد طالعنا الذي أتاح لنا العيش في عصر رحمانينوف لنسمعه بقدرته السماوية و عبقريته أن يعيد لنا خلق رائعة موسيقية . كان يوما مشهودا، عبقرية تفهم عبقرية أخرى. 

لقد سجّل رحمانينوف لشوبان سوناتا B مينور، ولكرايسلر وشوبرت وجريج سوناتا 
C مينور، ولبتهوفن G ماجور.

تجميع وترجمة:  يسري الأيوبي


Share this post