تاركوفسكي: إذا كنت تبحث عن المعنى فستخفق في إمساك كل ما يحدث أمامك

من كتاب الكتابة بالضوء
يقول تاركوفسكي: “يسألونني دائماً عن معنى الأشياء في أفلامي. هذا مخيف. الفنان لا يجب أن يكون مسؤولاً عن المعاني. شخصياً لا أعرف ما يمكن أن تمثّله رموزي. ما يهمني هو أن تثير أعمالي مشاعر معينة مبنية على الاستجابات الداخلية. إذا كنت تبحث عن المعنى فسوف تخفق في إمساك كل ما يحدث أمامك. التفكير أثناء مشاهدة الفيلم يتعارض مع اكتشافك له. خذ ساعة وحاول تفكيكها إلى أجزاء، ستجد أنها لن تعمل. كذلك العمل الفني: لا يمكن أن تحلله دون أن تدمّره. تحليل الفيلم أمر غير مجدٍ ولا معنى له. الفيلم وحدة عضوية متناسقة الأجزاء لا ينبغي شطرها إلى قطع صغيرة. فكرة الصورة تكمن في الصورة ذاتها ولا يمكن التعبير عنها بالكلمات”.
تاركوفسكي لا يتعب من استقصاء أو طرح تساؤلاته الكونية حول الإيمان والشك، اليأس والأمل، الأنانية والتضحية، العزلة والحرية، تجاور العادي والخارق، قيمة الحب، علاقة الإنسان بالطبيعة، دور الفن، تأثير الماضي على حاضر الفرد، الرغبات والمخاوف الكامنة.
هو لا يستقر عند حدود اليقين الذي تفرضه القراءة الماركسية الأرثوذكسية للواقع، بل يتخطى ذلك ليتقصى ما هو ملتبس وغامض وسرّي. ثمة شك في قدرة المادية والعقلانية على تفسير كل الظواهر التي يصادفها الإنسان في مسيرته الشاقة، بالتالي يصعب تجاهل البعد الروحي والميتافيزيقي.
بقدر تركيزه على الوجه الإنساني، يولي عناية فائقة إلى عناصر الطبيعة وحركتها الغامضة في المشهد الكوني: الماء، النار، الريح، الشجر، المطر، الظلال، الضباب.. باحثاً من جهة عن التناغم المفقود بين الإنسان والطبيعة، وكاشفاً من جهة أخرى عن الطاقة الخفية والسحرية في هذه العناصر.
جمالياً، يتميّز تاركوفسكي بأسلوبه الخاص والمتفرد: إيقاع بطئ للغاية، مشاهد طويلة ساكنة ومركّبة، لقطات مصاحبة Tracking تتحرك فيها الكاميرا بتمهّل وعلى نحو متواصل، مشاهد ملوّنة وأخرى بالأسود والأبيض تتعاقب وفق رؤية تشكيلية مدروسة،، صور ثرية مكتنزة بالشعر، تكوينات بصرية أخّاذة، بحوث جادة في سبيل اكتشاف اللغة التي تمثّل جوهر السينما. إنه يحطم التقاليد والقواعد السينمائية، المتعارف عليها، ليخلق نوعاً جديداً من السينما. أفلامه لا تحتوي على حبكات واضحة، كما أنها تتجنب البنى التقليدية والسرد الكلاسيكي والمعايير المستهلكة.
تاركوفسكي لا يلجأ إلى المؤثرات والحيل البصرية في خلق الصور السحرية ومزج الوهمي والواقعي أو التخيلي والظاهري، إنما يقدم المادة في هيئة جديدة، معيداً تنظيم العالم المألوف بحيث يتيح استنباط معانٍ جديدة تتوالد بفعل التجاورات البصرية كما تفعل السوريالية. وهو يتميّز بقدرة عجيبة على جعل الأشياء أو الأحداث المعروضة تبدو متخيّلة وواقعية في آن.
يقول الناقد فلادا بيتريك: “عوضاً عن ضبط وتوجيه انتباه المتفرج عن طريق القطع من صورة إلى أخرى، فإن تاركوفسكي يؤكد الطبيعة الزائلة للواقع، ويتجاوز الدلالة المألوفة للأشياء في سبيل بلوغ شئ تهمله العين المجرّدة أو هي غير متعودة على ملاحظته”.

أمين صالح

 

Share this post