المدرسة الانطباعية


الانطباعية هى مدرسة أدبية فنية، ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في فرنسا، ترى في الإحساس والانطباع الشخصي الأساس في التعبير الفني والأدبي، لا المفهوم العقلاني للأمور. ويرجع ذلك إلى أن أي عمل فني لا بد من أن يمر بنفس الفنان أولاً، وعملية المرور هذه هي التي توحي بالانطباع أو التأثير الذي يدفع الفنان إلى التعبير عنه، فالانطباعية من هذه الوجهة هي محاولة للتعبير عن الأحاسيس الفورية للعالم والأحداث.

يحاول رسامو الانطباعية تقليد الضوء عندما ينعكس على أسطح الأشياء، ويحققون ذلك باستخدام الألوان الزيتية في بقع منفصلة صغيرة ذات شكل واضح، بدلاً من خلطه على لوحة الألوان، وفضَّل الانطباعيون العمل في الخلاء لتصوير الطبيعة مباشرة، وليس داخل جدران المرسم، وأحياناً كانوا يقومون برسم نفس المنظر مرات عديدة في ظروف جوية مختلفة، لإظهار كيف تتغير الألوان والصفات السطحية في الأوقات المختلفة.

يعتبر كلود مونيه (1840 – 1926) رائدا لهذه المدرسة حيث سميت المدرسة باسم لوحة”انطباع ، شمس مشرقة” التى عرضت فى معرض للوحات الانطباعية فى عام 1874 الذى لم يلق نجاحا كبيرا و لكن نقدا لاذعا فى الجرائد.

وقد استعمل الرسامون فيما بعد نفس التسمية للتعبير عن توجههم أي الانطباعية.

ولد كلود مونيه في باريس في 14 نوفمبر من سنة 1840، ورحل عنها مع والديه في سن 5سنوات؛ للإقامة في مدينة لوهافر.

قضى مونيه الفترة مابين 1861 ـ 1862 في الخدمة العسكرية بالجزائر، ومن هناك كتب يصف وقع الألوان الشديدة والألوان المتوهجة في هذه البلاد الشرقية على نفسه، ولكن إصابته بحمى التيفود عجلت بتسريحه من الجيش، فغادر الجزائر عائدا إلى باريس ليواصل تعلمه للفن ، لكنه لم يحب كثيرا أنماط الرسم الكلاسيكي المدرس في الجامعة.

في باريس التقى بيير أوغست رونوار ليؤسسا معا التوجه الانطباعي في الرسم وقد ظلا صديقين طول حياتهما.

ومن أشهر رسامي الانطباعية “أوجست رينوار” و”بول سيزان” و “كامن بيسارو” و إدجار ديجا ” ، “رينوار” أظهر براعة فائقة في رسم الطبيعة تحت الضوء الدافئ وخاصة التغيرات الدقيقة في المناخ وتأثير ضوء الشمس على الأجسام والأشكال والزهو، ويبدو هذا واضحاً في لوحاته “في الشرفة” التي رسمها عام 1879م. أما “سيزان” فقد أظهر فهماً وتقدير للألوان بكل ثرائها وشدتها اللونية مثل لوحة “زهور الأضاليا في إناء” عام 1875م.

ولقد أعتقد الإنطباعيون أن الخط في الرسم من صنع الإنسان ، إذ لا وجود للخط في الطبيعة، وألوان المنشور كما هو معروف هي: البنفسجي والنيلي، والأزرق والأخضر والأصفر والبرتقالي والأحمر.

وكانت ألوان الانطباعيين نظيفة نقية صافية ، عنيت بتسجيل المشاهد بعين عابرة ولحظة إحساس الفنان في مكان وزمان واحد، إذ أن الفنان الانطباعي يقوم بتسجيل مشاهداته وانطباعاته في فترة معينة من الزمن، كما يلتقط المصور الفوتوغرافي صورة لشيء ما في لحظة معينة من النهار.

لقد عنيت الانطباعية بتسجيل الشكل العام ، فالتفاصيل الدقيقة ليست من أهدافها بل يسجلون الانطباع الكلي عن الأشياء، بطريقة توحي للمشاهد أنه يرى الأجزاء رغم أنها غير مرسومة ،مما يزيدها سحرا وجمالا وجاذبية من قبل المشاهد. ومن مميزات الانطباعية أيضا عدم الاهتمام بالناحية الموضوعية للوحة، إذ تمتزج الأشكال في اللوحة فتصبح كلا، وإن البعد في اللوحة يأخذ امتداد واحدا، وكما ذكرنا فالضوء في اللوحة هو أهم العناصر البارزة، و جدير بالذكر أن الانطباعية قد انبثقت من الواقعية، لكن ضمن إطار علمي مختلف، فهي تصور الواقع لكن بألوان تعتمد على التحليل العلمي .

بقي أن نذكر جانبا هاما هو الأساليب التي ظهرت في هذه المدرسة ، إذ ظهرت فيها أساليب تؤمن بنفس النظرية ، لكن التنفيذ يختلف من فرد لآخر ، فالتأثيرية لها أساليب ثلاثة:

أ – الأسلوب التنقيطي : وهو أسلوب يتبع برسم اللوحة بكاملها عن طريق النقاط الملونة المتجاورة، ويشبه هذا الأسلوب إلى حد كبير المشاهد التي نراها على شاشة التليفزيون الملون عندما تتحول الصورة إلى نقط نتيجة لعدم ضبط الهوائي أو لبعد محطة الإرسال ورداءة الأحوال الجوية.

ب – الأسلوب التقسيمي : ويعتمد هذا الأسلوب على تقسيم السطوح إلى مجموعة ألوان متجاورة صريحة دون أن يمزج الألوان أو يخلطها، فالأصفر هو الأصفر والأزرق والأحمر، وهكذا فالمهم لا يرسم بالألوان الأساسية نقية صافية.

ج- تعني برسم الأشكال أكثر من مرة في لحظات متغيرة من النهار، كأن يرسم الفنان منظراً للطبيعة في الصباح ، ثم يعود ليرسمه في الظهيرة، ثم يرسمه في المساء عند غروب الشمس.

==============

2- الانطباعية في الأدب

=============

من أهم شخصياتها الأديب الفرنسي أناتول فرانس ((1844 – 1924م ، وهو يعد رائد الانطباعية في الأدب، بعد أن انتقل المصطلح من الرسم إلى الأدب، ويرى هذا الأديب أن قيمة أي عمل أدبي تكمن في نوعية الانطباعات التي يتركها في نفس القارئ وهذا الانطباع هو الدليل الوحيد على الوجود الحي للعمل الأدبي.

ومن أعلام الانطباعية أيضا إنطونان بروست ويعد من أبرع من جَسَّدَ الانطباعية الأدبية فهو حين يصف مشهداً أو ينقل أحاسيسه إزاء مشهد، تتجسد أمامنا لوحة انطباعية.

ومن الأفكار التي آمنت بها الانطباعية وروجت لها: أن الفنان يحس أو يتأثر أولاً، ثم ينقل هذا الانطباع أو التأثير عن طريق التعبير، ولا يهتم بالمعايير المتبعة في النقد الأدبي. وطالما أن قيمة أي عمل أدبي تكمن في نوعية الانطباعات التي يتركها في نفس القارئ، فإن على الأديب أن يضع هذه الحقيقة نصب عينيه، لأن الانطباع هو الدليل الوحيد على الوجود الحي للعمل الأدبي.

والانطباعية تقول: أنا أحس إذاً أنا موجود، في مقابل العقلانية التي تقول على لسان ديكارت: أنا أفكر إذاً أنا موجود . ويرى الانطباعيون أن كل معرفة لم يسبقها إحساس بها فهي لا تجدي، كما أن المضمون هو المهم لا الشكل الفني عند الأديب الانطباعي في نقل انطباعه الذاتي للآخرين، والعالم الخارجي مجرد تجربة خاصة وأحاسيس شخصية وليس واقعاً موضوعيّاً موجوداً بشكل مستقل عن حواس الفرد.

من النقد الذي وُجه للانطباعيين أنهم جروا وراء التسجيل الحرفي للانطباع ونسوا القيمة الجمالية التي تحتم وجود الشكل الفني في العمل الأدبي. وأن أدب الاعترافات والخطابات الأدبية اللذين أدت إليهما الانطباعية، حين يعبر فيهما الأدباء عن مكنونات صدورهم، تحولا إلى مجرد مرآة لحياة الأديب الداخلية، أي أن هؤلاء ينظرون إلى الأدب على أنه مجرد ترجمة ذاتية أو سيرة شخصية للأديب. وهكذا فقد أصبح النقد الأدبي والتذوق الفني مجرد تعبير عن الانفعالات الشخصية والأحاسيس الذاتية التي يثيرها العمل الأدبي في الناقد.

Share this post