الميت يكره الثرثرة
Nov 2011 16
(الشعر يكثف اللحظة , لا يقبل الأمل , وتعزية العقل , لا يمكن إنقاذ الحياة الرائعة , فهي سائرة إلى الموت , وعندما تأتي الشيخوخة تقول لها : لقد شاب شعر رأسي , ,لكن الرغبة لم تفقد , والروح لم تنضج فبعد نار الرغبة , نار الرغبة الحارقة ,
لم تعد الحياة موجودة وحدهما الموت والنشوة موجودان … أن تعيش هو أن تهذي , والعقل ليس عجزاً تجاه الحياة وليس رفضاً لها فقط إنه يتطلب الانتباه , وما ليس النشوة أو الهذيان هو انتباه .. لماذا الانتباه وكل شيء يسير إلى النهاية)‏
اقتطعت هذا المقطع من كلام الاسبانية ماريا ثامبرانر المثير حول الشعر في مؤلفها الشهير (الشعر والفلسفة ) لتوظيف مدخل جميل وبنفس الوقت قلق وحقيقي شاسع المعاني ليشبه بذلك الشاعر الروسي فلاديمير مايا كوفسكي .. الذي يحتفل المثقفين الروس بمرور 75 عاما على انتحاره ..‏
على عتمة الأزمنة يحط الشعراء الحقيقيون بكل اجنحتهم وريشهم وأحلامهم قادمين من وراء الآمال والأحلام والتحولات ليسربوا لنا كل تلك الأحلام الشرسة التي تعلموا الطيران بفضلها .‏
ربما ليس الجميع يعرف بأن مايا كوفسكي لم يكن من أصل روسي خالص إنما كان من أصل كازاكي (تتري ) ولد في 19 تموز 1893 في بغداتي بجورجيا انتقل الى موسكو بعيد وفاة والده عام 1906 مع أمه واختيه الأثنتين وفصل من الدراسة عام 1908 لان أمه لم تستطع تحمل نفقات تعليمه .‏
شارك نشاطات حزب العمال الديمقراطي الاشتراكي الروسي أصبح لاحقا (رفيقا بولشيفياً) بعمر الخامسة عشرة ,سجن مايا كوفسكي مرتين بسبب عمله السياسي وعمره القاصر انقذه من أن يرحله الحكم القيصري , وفي السجن الافرادي في سجن (بوتيركا ) بدأ كتابة شعره , ومع إطلاق سراحه في عام 1912التحق بمدرسة موسكو للفنون حيث انضم هناك لحركة المستقبليين الداعية الى الحداثة..‏
ويعتبره بعض النقاد أول من استخدم مصطلح المستقبلية : (المستقبليون الروس هم المسؤولون عن تحمل الفن العجوز الذي يأكله العث, إن المستقبليين يعتبرون الانسان جزءا من الارض ومن الطبيعة ) تجسد إيمانه هذا بتكسير البيت الشعري التقليدي والابتعاد عن النخبوية ..‏
يعد ديوانه الشهير (غيمة في بنطلون ) أهم أعماله الشعرية وقد جاء تتويجاً لعلاقته المضنية بليلي بريك شقيقة السا تريوليه زوجة الشاعر الفرنسي أراغون .‏
وإذا كانت علاقته الغرامية بليلي بريك قد أوصلته إلى قمة نتاجه الشعري أيضاً أوصلته إلى قمة حزنه إضافة إلى انسحابه من العمل السياسي الثوري والذي دفع بيرقراطيي الحزب الى محاربته , أقدم على الانتحار في 14 نيسان 1930 عن عمر 37 عاماً برصاصة في الصدغ تاركاً ورقةكتب عليها (إلى الجميع ها آنذا أموت الآن لا تتهموا أحداً ولا تثرثروا , فالميت يكره الثرثرة )‏
الكثيرون ممن كانوا حوله جزموا أن علاقته المضطربة بليلي بريك كانت وراء انتحاره ليشبه بذلك شاعر روسي آخر هو سيرغي بسيين كان معاصرا له وبعد فشله بحكاية حبه للراقصة الأمريكية ايزادورا دانكان أنهى حياته وهو لم يزل في ريعان شبابه .‏
مايا كوفسكي الذي قال ذات مرة لليلي بريك (أخاف أن انسى اسمك كما يخاف الشاعر , أن ينسى كلمة ما .. عثر عليها تواً , لم يلحقها الجفاف والابتزال بعد ) غادر الحياة بعد أن عرفه الروس شاعراً , كاتباً , دراميا , ممثلا , مفكراً , سيناريست .‏
من أهم آثاره الأدبية : الدفاتر الحمراء وأنا وغيمة في بنطلون ورسائل الى ليلي بريك التي كتبها دون ان يحس أن رصاصة تقتله ستكون رسالته الأخيرة لها .
بقلم : لينا هويان الحسن
صحيفة الثورة
 25/5/2008