البلاغة العربية، معناها والخصائص
Dec 2011 16
البلاغة مأخوذة من قولهم: بلغت الغاية إذا انتهيت إليها وبلّغتها غيري، والمبالغة في الأمر: أن تبلغ فيه جهدك وتنتهي إلى غايته، وقد سميت البلاغة بلاغة لأنها تنهي المعنى إلى قلب سامعه فيفهمه. ويقال بلغ الرجل بلاغة، إذا صار بليغًا، ورجل بليغ: حسن الكلام، يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه(1)، ويقال أبلغت في الكلام إذا أتيت بالبلاغة فيه. والبلاغة من صفة الكلام لا المتكلم، وتسميتنا المتكلم بأنه بليغ نوع من التوسع، وحقيقته أن كلامه بليغ، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، كما تقول: فلان رجل مُحكم وتعني أن أفعاله محكمة. إلا أن كثرة الاستعمال جعلت تسمية المتكلم بأنه بليغ كالحقيقة.

 

ذلك مفهوم البلاغة لغةً، وقديمًا اختلف أهل العلم في مفهومها ووصفها بيانيًا، وقد أورد ابن رشيق القيرواني(2) طائفة من أقوال البلغاء في تحديد مفهوم البلاغة كما تَصوَّرَها من وردت هذه الأقوال على ألسنتهم، بيد أن النظر في كل قول من هذه الأقوال لا يعطينا مفهومًا جامعًا مانعًا للبلاغة، ولكن ربما إلتُمِسَ مفهوم البلاغة المنشود من ثنايا بعض هذه الأقوال، فلنحاول.

 

سُئل بعض البلغاء: ما البلاغة؟ فقيل: قليل يُفهم وكثير لا يُسأَم. وقال أخر: معان كثيرة في ألفاظ قليلة. وقيل لأحدهم: ما البلاغة؟ فقال: أصابة المعنى وحسن الإيجاز، وقال بعض الأعراب عن أبلغ الناس: أسهلهم لفظَا، وأحسنهم بديهةً.

 

وقال خلف الأحمر: البلاغة لمحة دالة. وقال الخليل بن أحمد/ البلاغة كلمة تكشف عن البقية. وقال المفضل الضبي: قلت لإعرابي: ما البلاغة عندكم؟ فقال: الإيجازمن غير عجز، والإطناب من غير خطل.

 

وكتب جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي إلى عمرو بن مسعدة: إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيرًا، وإذا كان الإيجاز كافيًا كان الإكثار عيا.

 

وقيل لبعضهم: ما البلاغة؟ فقال: إبلاغ المتكلم حاجته بحسن إفهام السامع، ولذلك سميت بلاغة.

 

وقال آخر: البلاغة معرفة الفصل من الوصل، وقيل البلاغة: حسن العبارة، مع صحة الدلالة. وقيل البلاغة: القوة على البيان مع حسن النظام. وقالوا: البلاغة ضد العِيُّ، والعِيُّ: العجز عن البيان.

 

وقيل لأرسطاطاليس: ما البلاغة؟ قال: حسن الاستعارة. وقال خالد بن صفوان: إصابة المعنى والقصد إلى الحجة. وقال إبراهيم الإمام: الجزالة والإطالة.

 

وقال البحتري مادحا محمد بن عبد الملك بن الزيات(3) حين تقلد الوزارة ويصف بلاغته:

 

ومعان لو فصّلتها القوافي ***** هجّنت شعر جّزوّلٍ ولبيد
حُزْنَ مستعملَ الكلام احتيارًا***** وتجنبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ القريب فأدركن***** به غاية المراد البعيد

 

وقال العتابي: قيم الكلام العقل، وزينته الصواب، وحليته الإعراب، ورائضه اللسان، وجسمه القريحة، وروحه المعاني. وسئل ابن المقفع: ما البلاغة؟ فقال: اسم لمعان تجري في وجوه كثيرة: فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستمتاع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون شعرًا، ومنها ما يكون سجعًا، ومنها ما يكون ابتداءً، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون في الحديث، ومنها ما يكون في الاحتياج، ومنها ما يكون خطبًا، ومنها ما يكون رسائل، فعامة هذه الأبواب الوحيُ فيها والإشارة إلى المعنى، والإيجاز هو البلاغة.

 

وقال أبو الحسن بن علي بن عيس الرماني: أصل البلاغة الطبع، ولها مع ذلك آلات تعين عليها وتوصل للقوة فيها، وتكون ميزانًا لها، وفاصلة بينها وبين غيرها وهي ثمانية أضرب: الإيجاز، والاستعارة والتشبيه، والبيان، والنظم، والتصرف، والمشاكلة، والمثل.

 

وقال عبد الله بن محمد بن جميل المعروف بالباحث: البلاغة الفهم والإفهام، وكشف المعاني، ومعرفة الإعراب، والاتساع في اللفظ، والسداد في النظم، والمعرفة بالقصد، والبيان في الأداء، وصواب الإشارة، وإيضاح الدلالة، والمعرفة بالقول، والاكتفاء بالاختصار عن الاكثار، وامضاء العزم على خكومة الاختيار.. قال: وكل هذه الأبواب محتاج بعضها إلى بعض، كحاجة بعض أعضاء البدن إلى بعض، لا غنى لفضيلة أحدها عن الآخر، فمن أحاط معرفةَ بهذه الخصال فقد كمل كل الكمال، ومش شذ عن بعضها لم يبعد من النقص بما اجتمع فيه منها.. قال: والبلاغة تخير اللفظ في حسن إفهام.

 

تلك طائفة من أقوال البلغاء في تحديد مفهوم البلاغة كما تصورها كل واحد منهم، ومنها يمكن تحديد مفهوم البلاغة بأنها: وضع الكلام في موضعه من طول وإيجاز، وتأديه المعنى أداءً واضحًا بعبارة صحيحة فصيحة لها في النفس أثر خلاب، مع ملاءمة كل كلام للمقام الذي يقال فيه، وللمخاطبين به.

 

ولعل تعريف عبدالله بن محمد بن جميل للبلاغة هو الأقرب إلى هذا التعريف، كما أن مفهوم أبي الحسن الرماني للبلاغة متصل أكثر بأصلها ومباحثها.

 

ولكن البلاغة قبل هذا وبعد هذا فن قولي يعتمد على الموهبة وصفاء الاستعداد، ودقة إدارك الجمال، وتبين الفروق الخفية بين شتى الأساليب. ولابد لطالب البلاغة من أمرين: قراءة عميقة متصلة لروائع الأدب وحفظ ما يستجيده منه، ومران على التعبير من وقت لآخر عن بعض ما يجول في الخاطر وتجيش به النفس. ولا شك أن تضافر هذين الأمرين معًا يعينان على تكوين الذوق الأدبي ونقد الأعمال الأدبية والخكم عليها.

 

ومن السهل أيضا أن نلتمس في أقوال البلغاء السابقة عناصر البلاغة، وهذه العناصر هي: اللفظ، والمعنى، وتأليف الألفاظ على نحو يمنحها قوة وتأثيرًا حسنًا، ثم الدقة في اختيار الكلمات والأساليب على حسب مواطن الكلام، وموضوعاته، وحال السامعين، والنزعة النفسية التي تسيطر عليهم.

 

وعلى هذا فلابد للبليغ من التفكير في المعاني التي تموج في نفسه على أن تكون صادقة قوية يتجلى فيها أثر الابتكار وسلامة الذوق في تنسيقها وحسن ترتيبها، فإذا تحقق له ذلك اختار لها من الألفاظ الواضحة المؤثرة ما يتلائم وطيبعتها ويعبر عنها أجمل تعبير. ومع ذلك ينبغى أن نتذكر دائما أن البلاغة ليست في اللفظ وحده، وليست في المعنى وحده، وإنما هي في الارتباط العضوي بينهما، وأثر لازم لسلامتهما وانسجامهما.

 

—–
(1) قد يعبر عن العقل بالقلب.
(2) ابن رشيق القيرواني: هو أبو علي الحسن بن رشيق الأزدي القيرواني (385-465 هـ)
(3) الوزير الأديب العلامة أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن الزيات، أشتُهر ببراعة النظم والنثر وكان وزيرا للخليفة المعتصم وللواثق.

 

من كتاب “في البلاغة العربية،علم المعاني، البيان، البديع” للدكتور عبد العزيز عتيق، أول عميد لكلية الآداب بجامعة بيروت العربية (فرع الإسكندرية) وهو شاعر صدر له «ديوان عتيق» – 1932، وديوان «أحلام النخيل» – 1935، بتقديم سيد قطب، وأعيدت طباعتهما معًا في ديوان بعنوان: «أحلام النخيل» – مكتبة مصر – 1960، بتقديم طه حسين.

 

تعد موسوعته البلاغية بأجزاءها الأربعة المذكوره عاليه من أهم ما كتب في البلاغة العربية وصدرت لأول مرة في بيروت عام 1972.