رؤية مراقب صبور من الفضاء الخارجي – كارل ساجان



تخيل أن الأرض يتفحصها بتمعن مراقب صبور وثاقب النظر من الفضاء الخارجي: سوف يلحظ أن الأرض منذ 4.6 بليون سنة قد استكملت تكثفها من الغازات والأتربة الموجودة بين النجوم، وانهمرت عليها الكويكبات مكونة فوهات إصطدامية لا حصر لها؛ وترتفع درجة حرارة باطن الكوكب بسبب الطاقة الكامنة من تراكم الجاذبية وكذلك من جراء الإنحلال الإشعاعي، مما يؤدي إلى إنفصال الحديد السائل من السليكات المكونة للغطاء الخارجي والقشرة؛ وتتحرر الغازات الغنية بالإيدروجين وبخار الماء القابل للتكثف من الأعماق منطلقة نحو السطح؛ ومن خضم عمليات كيمياء عضوية رتيبة تتكون جزيئات مركبة تؤدي إلى تكوين أنظمة جزيئية متناهية البساطة وقادرة على تكرار نفسها؛ وفي الوقت نفسه الذي يتضاءل فيه تساقط الصخور الكونية فإن المياه الجارية وبناء الجبال وغير ذلك من العمليات الجيولوجية تمسح آثار الندوب التي نتجت أثناء نشأة الأرض؛ وتتكون آلة هائلة للنقل الحراري تنقل مكونات الغطاء الخارجي من قيعان المحيطات إلى حواف القارات، وتنشأ سلاسل الجبال المُتثنية من تصادم الألواح المتحركة ويبدأ الشكل العام لليابسة والمحيطات في التشكل، وتتباين التضاريس الجليدية والإستوائية تباينًا شاسعًا بصفة مستمرة.
وأثناء ذلك يلتقط الإنتقاء الطبيعي من مجال واسع من التبادليات تلك الأنواع من الأنظمة الجزيئية القادرة على تكرار نفسها بما يتناسب مع البيئة المتغيرة؛ فتتطور نباتات تستطيع إستغلال الضوء المرئي لتحويل الماء إلى أكسجين وإيدروجين، ويتسرب الإيدروجين إلى الفضاء الخارجي، مغيرًا بذلك التركيب الكيماوي للغلاف الجوي من الإختزال إلى التأكسد؛ وفي النهاية تنشأ كائنات على درجة من التعقد والذكاء المتوسط.

كارل ساجان، من الفصل السابع، من كتاب رومانسية العلم.

Share this post