voltaire-french-philosopher

الربوبي.. من كتاب “القاموس الفلسفي” لفولتير

نص “الربوبي” من كتاب “القاموس الفلسفي” لفولتير – ترجمة التحفجية
الربوبي هو شخص يؤمن باقتناع تام بوجود كائن فائق القوة يمتاز بالخير والعظمة، الذي كوَّن كل الكائنات بالتوسُّع، والإنبات، والحِسّ، والتبصُّر؛ الذي يُديم كل أنواعهم، الذي يُعاقب على الجرائم بدون قسوة، ويُكافئ الأفعال الخيّرة بالعطف.

 

الربوبي لا يعرف كيف يُعاقِب الرب، كيف يحمي، كيف يعفو، هو لا يملك أدنى اهتمام بهذا حتى يُداهن نفسه بأنه يعرف كيف يتصرَّفُ الرب، لكنه يعرف أن الرب يتصرف وأنه عادل، تحديات توفر أدلة تُثبت العناية الإلهية لا تشككه في إيمانه، لأنها ليست إلا تحديات كبيرة، وليست براهين. هو يخضع لهذه العناية، على الرغم من أنه لا يُسلِّم إلا بعدة تأثيرات وعلامات لهذه العناية: ولا يرى الحكم على الأشياء بالمنظور الذي يراه هو، بل يعتبر أن العناية الإلهية تصل إلى كل مكان عبر كل العصور.

بتوفيق هذا المبدأ مع بقية العالم، فهو لا يعتنق أي مذهب ديني، كل المذاهب التي تناقض بعضها الآخر؛ دينه هو الأقدم والأكثر انتشارًا؛ حيث أن العبادة الأبسط للرب قد سبقت كل أنظمة العالم. هو يتكلم لغة يفهمها جميع الناس، بينما هم لا يفهمون بعضهم. لديه إخوة من بكين إلى كايين(1)، ويعتبر كل الرجال ذوي الحكمة إخوة له، هو يؤمن بأن الدين لا يتوجَّب أن يحوي إما آراء ميتافيزيقية مُبهمة، أو عرض تافه، بل أن يكون في العبادة والإنصاف. فعل الخير، هناك تكون وظيفته: أن يُذعن للرب، هناك تكون عقيدته. المُحمَّدي يصرخ: “كن حذرًا إن لم تحجّ إلى مكة!” “الويل لك”، يقول ريكوليه (2)، “إن لم تذهب إلى نوتر-دام دو لوريت! (3)”، هو يضحك على لوريت ومكة لكنه يُعين المحتاجين ويدافع عن المظلومين.

يقول الدكتور محمد غنيمي هلال في كتابه “الرومانتيكية”، شارحًا باختصار أفكار فولتير الربوبية، وموضحًا ما جاء في نص المادة: “المُوحِّد عند فولتير هو من يؤمن بإله عظيم كريم قادر؛ خلق كل المخلوقات، يجازي المُذنب في غير قسوة، ويُثيب على الخير، دون بحث في كيفية العقاب أو الثواب. وهو لا يجحد وجود الخالق بسبب الاعتراضات التي يُثيرها الجاحدون، إذ ليس فيها جميعها بُرهان واحد على عدم وجوده. وعلى الموحد – على رأي فولتير – ألا يعتنق مذهبًا، أو دينًا، لأن ذلك مثار الخلاف والمآسي الإنسانية، ولكنه يغيث المعوز ويدافع عن المظلوم، ولا يريد فولتير بعد ذلك أن يدخل في نقاش حول وجود الله؛ إذ ليست لدينا وسائل للجدال فيما قد يتجاوز حدود علمنا، ويضرب لذلك مثلاً يفهمه كل من يقرؤه: “قد بنيتُ حجرةً في طرف حديقة منزلي، فسمعت يربوعًا يحاور خنفساء، قال اليربوع: ما أجمل البناء! لابد أن يربوعًا قادرًا هو الذي شيَّده. فأجابته الخنفساء: لابد أن الباني هو خنفساء عبقرية. ومن ذلك الحين صممت على ألا أناقش في شيء.”

الهوامش:(1)

كايين (Cayenne): عاصمة جويانا الفرنسية أحد أقاليم ما وراء البحار الفرنسية.(2)

ريكوليه (Récollet): الشخص التابع لجماعة كاثوليكية فرنسية تابعة للفرانسيسكان.(3)

نوتر دام دو لوريت (Notre Dame de Lorette): مقبرة فرنسية تقع في الشمال الغربي لمدينة أراس.

مادة الربوبي (Théiste)، من كتاب القاموس الفلسفي (Dictionnaire Philosophique).

Share this post