هرقليطس: فيلسوف التناغم الخفي


ولد هرقليطس في (أفسوس)، في حوالي 540 ق.م.، من أسرة أرستقراطية، وعلى الرغم من أنه لم يهتم بالمال وحياة الرفاهية، إلا أنه ظلَّ أرستقراطيًا بقوة، يحتقر العامة وأمورهم التافهة، ويحتقر أيضًا العلماء الذين اهتمّوا بالجزيئيات، ولذلك ترك عنه ما كان يشتغل به الفلاسفة الفيثاغوريين وقتذاك، وانصبَّ اهتمامه على المعاني الكُليَّة والعميقة للأشياء، وامتاز أسلوبه – وشخصيته كذلك – بالغموض حتي لُقِّب بالصفة، وبجانب غموضه فلم يصلنا من كتاباته سوى شذرات زادت صعوبة فهم فلسفته، وكانت كتاباته وأفكاره مُوجَّهة كلها للخاصَّة، فكان يرفض خوض العامة في أمور الفلسفة.

يُرجِع الكاتب إل. تومسون في كتابه (الفلاسفة الأوائل) فكر هرقليطس المُتفرِّد إلى الظروف الاجتماعية والسياسية التي عاصرها. حيث عاصر ظروفًا اجتماعية وسياسية مُتقلِّبة، حيث تقهقر الحكم الأرستقراطي وبزوغ الحكم الديمقراطي. كان هرقليطس أشد الناس حقدًا على الديمقراطية، وكان يكره العامة بشدة، ولم يقف عند هذا الحد بل اتهم معظم المفكرين والشعراء بالسطحية والسذاجة، لأنهم لم يتمكنوا من استكناه اللوجوس.

شذرات هرقليطس نلمسُ فيها روحه الذكيَّة المُلاحِظة والتنبُّؤية، لا يفهمها كل الناس، ولا يفهمها فاهموها فهمًا واحدًا. يقول سقراط أن ما فهمه منها شيء عظيم وما لم يفهمه شيء عظيم بالمثل. يقول عن دورة الحياة والموت: “إن الزمن طفل يلعب النرد، والقوة الملكية إنما يتحكم فيها طفل”، ويقول عن الأغبياء والجهلة الذين سخر منهم كثيرًا: “الأعين والآذان شهود مضللون للناس إن كانت لهم نفوس لا تفهم لغتها”، وعن الكسالى الذين يرفضون العمل يقول: “إن الحمير تُفضِّل التبن على التبر”، وعن عدم التباهي بالمعرفة، يقول سابقًا أفكار سقراط التي اشتهرت عن التواضع: “إن الإنسان أمام الله وليد رضيع، كالطفل في عين الرجل”، وعن التناغم الذي لا يلاحظه الناس يقول: “إن الناس لا يعرفون كيف يتفق ما هو مُتباين مع ذاته، إنه تناغم لتوترات متضادة، كتناغم القوس والقيثارة”، والتناغم الذي يقصده هو تناغم الأضداد، وهذه هي الفكرة التي بنى عليها أفكاره الكونية والتي سنعرضها بالتفصيل، فيقول: “لقد كان هوميروس على خطأ حين قال: ليت الصراع يختفي من بين الآلهة والناس!، إذ أنه لم يُدرك أنه كان يدعو بذلك لدمار العالم، فلو استجيب لدعائه هذا لفنيت الأشياء جميعًا”، وبهذا المعنى نفهم قوله: “الحرب أم الأشياء جميعًا”.

التناغم بين الأضداد، الصيرورة. يقول هرقليطس: “إنك لا تستطيع أبدًا أن تنزل في النهر نفسه مرتين، لأن مياهًا جديدة تتدفق عليك بلا انقطاع”، ويقول أيضًا: “إننا ننزل في النهر نفسه ولا ننزل فيه، إننا نكون ولا نكون”، على الرغم من التناقض الذي قد يظهر للبعض من أول وهلة، إلا أن المقولة الثانية هي تكملة لفكرة الأولى، فالأولى تتحدث عما تحدثنا عنه في التناغم الموجود في الكون، وأن كل ما يحدث في العالم عبارة عن تحول شيء لآخر، ويقول برتراند رسل موضحًا: لهب المصباح يبدو شيئًا ثابتًا، مع أن الذي يحدث طوال الوقت هو أن الزيت يُستهلك بالتدريج، والوقود يتحول إلى لهب، والسناج يترسَّبُ من احتراقه، وهكذا فإن كل ما يحدث في العالم إنما هو عملية تنطوي على مبادلات من هذا النوع، وتعني المقولة الثانية أن أساس وجودنا هو التغير الدائم، أي أن وجودنا صيرورة تامة مثلما قال أفلاطون، مثل مَثل النهر، فأنت حينما تنزل اليوم في النهر، ثم تنزل غدًا، فأنت تنزل في النهر نفسه، ومع ذلك فإن النهر الذي تنزل فيه ليس نفس النهر، ومن هذه الفكرة نفهم قولاه: “الخير والشر واحد”، “الطريق الصاعد والطريق الهابط طريق واحد”.
عن رأيه في أصل العالم، اعتقد هرقليطس أن النار هي الأصل، لكن ليست النار التي نعرفها، بل هي نار أثيرية إلهية تتخلخل فتستحيلُ نارًا محسوسة ثم تتكاثف فتستحيل إلى هواء، ثم يتكاثف الهواء فيستحيل إلى ماء، ثم يتكاثف الماء فيصبح أرضًا، وبعد ذلك تترافع من الماء والأرض أبخرة تتراكم وتنشأ سُحبًا ملتهبة فتعود نارًا، ثم يتخلخل اليابس إلى ماء، والماء إلى هواء، والهواء إلى نار، ويتكرر الأمر، إذًا فالتغير يكون على منوالين: طريق إلى أسفل وطريق إلى أعلى، والتقابلُ بينهما هو الذي يكون الموجودات، التناقض بين الضِّدين، وحتى النفس البشرية يراها على أنها بخار حار وبعض من النار الإلهية. وعن فكرة التغيُّر المستمر نُسب إليه قول: “كل الأشياء في صيرورة”، كما أن سقراط كان يُلقِّب أتباع هرقليطس بالمُتدفِّقين. على الرغم من أن هذا الرأي، وبجانبه آراء الفلاسفة الطبيعيين الإغريقيين الأوائل أو فلاسفة (إيونيا) مثل طاليس وأنكسيمندر، مُجرَّد آراء نظرية ضعيفة خاطئة لم تعتمد على التجربة، وأن آرائهم تدعو للسخرية حقًا، لكن هؤلاء كانوا من غيروا اتجاه دفة التفكير قديمًا، وجهوا التفكير بعيدًا عن الخرافات، والآراء التي تُرجع كل شيء إلى لقوى الإلهية والأساطير الشعبية، وحاولوا أن يدللوا على آرائهم بأدلة عقلية، فنجد تأثيرهم على أمبادوقليس الذي قال بأن العالم يرجع إلى مواد: الماء والهواء والتراب والنار، وتبني أرسطو هذا الرأي، كما أنهم في قولهم أن مبدأ العالم مادة واحدة قديمة باقية، منها نشأ العالم وإليه يعود، اقترابٌ مما أثبته العلم بالتجربة في العصر الحديث.

من شذرات هرقليطس:

– لقد نقبت في نفسي.

– إن الرب الذي تقوم معجزته في معبد دلفي لا يفصح ولا يخفي ولكنه يُلمِّح.

– بالنسبة للآلهة كل الأشياء جميلة ورائعة وعادلة، ولكن الناس هم الذين يفترضون في بعض الأشياء أنها جائرة وفي بعضها الآخر أنها عادلة.

– إن الشمس لا تتجاوز مداراتها، وإلا فإن ربات العدالة توقفها عند حدها.

– لن يتسنى لهم أن يعرفوا معنى الحق لو كانت الأضداد غير موجودة.

– الإله نهار وليل، شتاء وصيف، حرب وسلام، امتلاء وجوع، إنه كالنار يتخد أشكالاً تميزه، وعندما يمتزج بنكهات طيب ما، يتخد له اسمًا تبعًا للعطر المميز لكل طيب.

Share this post