Dec 2011 30

المرأة، وبدون أي تحيُّز جنسي، هي موضوع فنّي بذاته، لعدة أسباب يعلوها الجمال، وقد بدأ تصويرها فنيًا منذ العصور الحجرية القديمة، ونجدُ في التماثيل التي عُثر عليها في مصر بمحافظة قنا في حضارة نقادة الأولى تماثيلاً لنساء بدينات قصيرات بملامح غليظة، ولعلَّ هذا كان النموذج الأمثل للمرأة وقتذاك، المرأة التي تستطيع تحمُّل المشاق في زمن كان من الصعب العيش فيه بسبب هجوم الحيوانات المفترسة والأخطار الطبيعية، ثم بعد استقرار الإنسان وتغيُّر نمط حياته واتجاهه إلى الرفاهية نوعًا ما، نجد أن المنظور الجمالي قد تغير، ففي حضارات مرمدة بني سلامة ووادي حوف ودير تاسا ثم ثقافة البداري، نجد المرأة النحيفة المتناسقة الأطراف، فنجد أن النموذج الجمالي للمرأة يختلف باختلاف الثقافات، وفي هذا المقال سنتعرض إلى النموذج الجمالي للمرأة عند العرب ونلتمسُ الشعر العربي مُعينًا في ذلك.



يمكننا تقسيم تصوير الأنثى قسمين: قسم يتحدث عنها باعتبارها إنسانًا مميزًا ويتعرض لجمالها بشكل لطيف، وقسم لا يعنيه فيه إلا مفاتن أعضائها الجنسية، والنوع الثاني انتشر بشكل كبير في الشعر العربي، وعلى الرغم من وجود الأصولية الإسلامية منذ بداية ظهور الإسلام، إلا أن الرقابة على الفنون والآداب لم تكن موجودة إلا بشكل قليل، وكان نفرٌ من الخلفاء أنفسهم يُشجِّعون على هذا في الليالي الساهرة، فظهر المجون في الشعر وغيره بكثرة، خاصةً في بغداد في العصر العباسي، وحينما نجدُ فقيهًا معروفًا مثل الإمام السيوطي يؤلف كتابًا – بعضهم لا ينسبه إليه، إلا أن الكتاب كان متداولاً وقتها وهذا ما يعنينا – يُسميِّه (نواضر الأيك في معرفة النيك)، ويضع فيه أشعارًا وكتابات ماجنة صريحة في وصف أعضاء المرأة والرجل الجنسية، نستنتج أن الشاعر كان حرًا فيما يكتبه، بلا حظر، إلا فيما ندر.



لكن يمكننا استثناء فترة الخلافة الراشدية التي امتازت بالتديُّن وعدم الجنوح إلى أشياء مثل هذه تُعتبر – بالنسبة لأهل الدين – مخالفة للدين والعرف، يقول العقاد في كتابه (شاعر الغزل: عمر بن أبي ربيعة) متحدثًا عن النموذج الأمثل للمرأة في فترة الجاهلية والخلافة الراشدية: “المرأة الشريفة هي التي يصعب منالها ولا يسلس قيادها، فالعفة هنا فضيلة حربية تابعة للفضائل العامة التي تغلب على أحوال القبيلة برمتها: معقل منيع، وسيد منيع، وبئر منيعة، وامرأة منيعة، وقِس على ذلك كل ما تطلب فيه الحصانة والاستعصاء .. ثم يجيء سلطان الدين فيضيف إلى حصانة البداوة مناعة إلى مناعة، ويزيد حق أولياء النساء في حماية أسمائهن والمطالبة بعقاب من يغازلهن ويلغط بذكرهن، لأن اللغظ بهن ازدراء بأقدار أوليائهن وحرام في الدين”. أما بعد الخلفاء الراشدين قلَّ التديُّن، إلا أن هذا قد حدث بنسبة ليست بالكبيرة، وما زال العُرف موجودًا على الرغم من انحلاله قليلاً، فمثلاً نجد عائشة بنت طلحة التي كانت نموذجًا للمرأة الشريفة وقتذاك، تعطي الدين حقَّه كما تعطي الجمال، فلا تُغازِل ولا تُشاكِس، لكنها تظهرُ وجهها للناس، وإذا سألها زوجها عن سبب ذلك لوّامًا، قالت: “إن الله وسمني بميسم جمال أحببت أن يراهُ الناسُ ويعرفوا فضله عليهم فما كنت لأستره، ووالله ما فيّ وصمة يقدر أن يُذكرني بها أحد“.





حينما نتعرضُّ لصورة المرأة في الشعر العربي نجد أمامنا نوعين من المدارس الغزلية – والتي فيها ذِكرُ المرأة -: مدرسة شعراء الحب المعروفين بعشقهم لحبيبة واحدة، مثل قيس الذي عُرف بحب ليلى، وعُروة بحب عفراء، وجميل بحب بثينة، وكَثيرُ بحب عزة، وتوبة بحب ليلى، ونلاحظ في هذه المدرسة أنهم لم يتعرضوا كثيرًا لوصف صورة حبيبتهم، فنجد – مثلاً – قيس بن المُلوَّح أكثر شعره عن ليلى إنسانًا يعشقه لا أنثى يشتهيها. أمّا المدرسة الثانية فهي مدرسة شعراء الحب أرباب المغامرات الذين تغزلوا بنساء كثيرات مثل عُمر بن أبي ربيعة والأحوص والعرجي وقيس الرقيات، ويكون أكثر شعرهم وصفًا لمفاتن النساء، ومن أوائل من بدأوا في الوصف الصريح لمفاتن النساء، الشاعر القُرشيّ عمر بن أبي ربيعة الذي ولد في العام الثالث والعشرين من الهجرة، وكان يصفُ في شعره المرأة المُتحضِّرة في العصر الأُمويّ حيث تغيّرت الظروف الاجتماعية عند العرب وتحرروا من بعض التقاليد، ولم يكن يترك امرأة جميلة تمرُّ من أمامه إلا ويتغزلُّ بجمالها، وكان ينتظر موسم الحج حتى يرى النساء ويفحص جمالهن وينظمُ شعرًا عنهن، وكان عمر جريئًا إلى حد كبير، فتغزل في أحد مواسم الحج بفاطمة بنت عبد الملك بن مروان، زوجة عمر بن عبد العزيز، وإن لم يُصرِّح باسمها في الأبيات، لكن الأمر وصل إلى عبد الملك بن مروان وعمر بن عبد العزيز فهددا عمر وتَوعدَّاه، ولم يهتم بالوعيد وقال:

 وناهدة الثديين قلت لها اتكي .. على الرمل من جبّانة لم توسد
 فقالت على اسم الله أمرك طاعة .. وإن كنت قد كلّفت ما لم أعوّد
 فلما دنا الإصباح قالت فضحتني .. فقُم غير مطرود وإن ئت فازدَد

 ويقول أيضًا:

 إني رأيتك غادة خمصانة .. ريَّا الروادف عذبة مبشارا
 محطوطة المتن أكمل خلقها .. مثل السبيكة بضة معطارا
 كالشمس تعجب من رأى ويزينها .. حسبٌ أغرّ إذا تريد فخارا




ومن الآثار التي تُصوِّر مفاتن المرأة صراحةً، قصيدة “اليتيمة” المنسوبة إلى دوقلة المنبجيّ الذي لم يصلنا منه سوى هذه القصيدة، وهذا سبب تسميتها باليتيمة، وهو يرسمُ في القصيدة كل محاسن المرأة التي يشتهيها ويفضلها بدقة بالغة وببلاغة رفيعة، يقول:

 بَيضاءُ قَد لَبِسَ الأَديمُ أديم .. الحُسنِ فهو لِجِلدِها جِلدُ
 وَيَزينُ فَودَيها إِذا حَسَرَت .. ضافي الغَدائِرِ فاحِمٌ جَعدُ
 فَالوَجهُ مثل الصُبحِ مبيضٌ .. والشعر مِثلَ اللَيلِ مُسوَدُّ
 ضِدّانِ لِما اسْتُجْمِعا حَسُنا .. وَالضِدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضِدُّ
 وَجَبينُها صَلتٌ وَحاجِبها .. شَختُ المَخَطِّ أَزَجُّ مُمتَدُّ
 وَكَأَنَّها وَسنى إِذا نَظَرَت .. أَو مُدنَفٌ لَمّا يُفِق بَعدُ
 بِفتورِ عَينٍ ما بِها رَمَدٌ .. وَبِها تُداوى الأَعيُنُ الرُمدُ
 وَتُريكَ عِرنيناً به شَمَمٌ .. وتُريك خَدّاً لَونُهُ الوَردُ
 وَتُجيلُ مِسواكَ الأَراكِ عَلى .. رَتلٍ كَأَنَّ رُضابَهُ الشَهدُ
 والجِيدُ منها جيدُ جازئةٍ .. تعطو إذا ما طالها المَردُ
 وَكَأَنَّما سُقِيَت تَرائِبُها .. وَالنَحرُ ماءَ الحُسنِ إِذ تَبدو
 وَاِمتَدَّ مِن أَعضادِها قَصَبٌ .. فَعمٌ زهتهُ مَرافِقٌ دُردُ
 وَلَها بَنانٌ لَو أَرَدتَ لَهُ .. عَقداً بِكَفِّكَ أَمكَنُ العَقدُ
 وَالمِعصمان فَما يُرى لَهُما .. مِن نَعمَةٍ وَبَضاضَةٍ زَندُ
 وَالبَطنُ مَطوِيٌّ كَما طُوِيَت .. بيضُ الرِياطِ يَصونُها المَلدُ
 وَبِخَصرِها هَيَفٌ يُزَيِّنُهُ .. فَإِذا تَنوءُ يَكادُ يَنقَدُّ
 وَالتَفَّ فَخذاها وَفَوقَهُما .. كَفَلٌ كدِعصِ الرمل مُشتَدُّ
 فَنهوضُها مَثنىً إِذا نَهَضت .. مِن ثِقلَهِ وَقُعودها فَردُ
 وَالساقِ خَرعَبَةٌ مُنَعَّمَةٌ .. عَبِلَت فَطَوقُ الحَجلِ مُنسَدُّ
 وَالكَعبُ أَدرَمُ لا يَبينُ لَهُ .. حَجمً وَلَيسَ لِرَأسِهِ حَدُّ
 وَمَشَت عَلى قَدمَينِ خُصِّرتا .. واُلينَتا فَتَكامَلَ القَدُّ

يصف الشاعر المرأة بأنها بيضاء ممتلئة امتلاء ليس بالترهُّل، شعرها غزير مُسوَّد، عيناها ناعسة، بيضاء طريّة تكاد تخلو من العظام حتى بإمكانها أن تعقد إصبعها، وعَرَقُها كافور وماء وندى، وبطنها ذات قابلية للانثناء، خصرها نحيف وأردافها ممتلئة.



وعلى هذه الأوصاف الصريحة، نجد شعراء آخرين لا يجرؤون على الاقتراب من هكذا أوصاف، شعراء غزل شاع في شعرهم الأوصاف النقيّة البعيدة عن أي وصف لمفاتن المرأة، وإن كان وصفًا لجسدها فيكون خفيفًا، أن يكون – مثلاً – وصفًا لجمال عينيها، مثل قول قيس بن الملوح:

 سحرتني ليلى بسواد عينها .. إنما السحر في سواد العيون

 بل أن الوصف الخفيف لجمال المرأة، والغزل العفيف كان يوجد بكثرة، حتى أنه كان يُشتهر في قبائل معينة، مثل قبيلة “عذرى”، حيث اشتهر شعرائها بتوجههم نحو الشعر النقيّ عن أي وصف ماجن، ويُروى أن رجلاً من القبيلة سُئل ذات يوم: ما بال قلوبكم كأنّهم قلوب طير تنماث كما ينماث الملح؟ أما تجلّدون؟، فقال: “إنّا لننظر إلى محاجر أعين لا تنظرون إليها“.

 وكما لاحظنا أوصاف “اليتيمة”، نستطيع القول بأن تلك الأوصاف كانت النموذج الجمالي الأمثل للمرأة العربية، وتأكيدًا لذلك ما جاء في الأثر عن رجل سأله عبد الملك بن مروان عن أحسن النساء، فقال له: “خذها يا أمير المؤمنين ملساء القدمين، ردماء الكعبين، ناعمة الساقين، ضخماء الركبتين، لفّاء الفخذين، ضخمة الذراعين، رخصة الكفين، ناهدة الثديين، حمراء الخدين، كحلاء العينين، زجّاء الحاجبين، لَمياء الشفتين، بَلجاء الجبين، شماء العرنين، شنباء الثغر، محلوكة الشعر، غيداء العنق، مُكسرَّة البطن”. فقال عبد الملك: ويحك، وأين توجد هذه؟!، قال: تجدها في خالص العرب. هذه هي الصفات المثالية للمرأة عند العرب وقتذاك، كما أن كل قبيلة قد اشتهرت بشيء جمالي، فالكعب المستدير الممتلئ لنساء قبيلة قضاعة والبطن الضامرة الهضيمة كِندة، والأطراف الرشيقة المُلتفَّة لخزافة، والفم الصغير لطيء. أما صفات الوجه الأمثل فهو الأبيض الذي يخالط بياضه حُمرة أو صفرة، إذا خجل احمرَّ، ذو نعومة، مثل قول علي بن زيد:

 حمرة خلط صفرة في بياض .. مثل ما حاك حائكٌ ديباجا
وقول علي بن عبد ربه:

 بيضاء يحمرُّ خدّها إذا خجلت .. كما جرى ذهبٌ في صفحتي ورق

 وهذه الصورة مُشابهة لما جاء في الشعر الجاهلي، فنجد في معلقة امرؤ القيس وصفًا بالمرأة الممتلئة امتلاءًا مناسبًا، ويحدد شكل الجيد المشابه لجيد الغزال وأنه لا تشوبه ضخامة ولا يعتريه طول مبالغ فيه، وصفاء لون البشرة التي تشبه البللور حتى كأن ترائب المرأة تبدو مصقولة كالمرآة وشعرها الأسود الفاحم الكثيف المتراكم المُنسدل على تلك البشرة البيضاء المصفرة والذي يكاد يصل إلى أسفل ظهرها، يقول امرؤ القيس:

 هصرتُ بِفودي رأسها فتمايلت .. عليَّ هضيمَ الكَشحِ رِيّا المُخَلخَلِ
 إِذا اِلتَفَتَت نَحوي تَضَوَّعَ ريحُها .. نَسيمَ الصَبا جاءَت بِرَيّا القَرَنفُلِ
 مُهَفْهَفَة ٌ بَيْضاءُ غيرُ مُفاضَة ٍ.. ترائبها مصقولة ٌ كالسجنجل
 كِبِكْرِ المُقاناة ِ البَياضِ بصُفْرَة ٍ.. غذاها نميرُ الماء غير المحللِِ
 تصد وتبدي عن أسيلٍ وتتَّقي .. بناظرَة ٍ من وَحش وَجْرَة َ مُطفِلِ
 وجيد كجيد الرئم ليس بفاحِش .. إذا هيَ نَصّتْهُ وَلا بمُعَطَّلِ
 وَفَرعٍ يَزينُ المَتنَ أَسوَدَ فاحِمٍ .. أَثيثٍ كَقِنوِ النَخلَةِ المُتَعَثكِلِ
 غَدائِرُها مُستَشزِراتٌ إِلى العُلا .. تَضِلُّ العِقاصَ في مُثَنّىً وَمُرسَلِ
 وكشح لطيف كالجديل مخصر .. وساق كأنبوبِ السقي المُذلل
 وَتَعْطو برخَصٍ غيرِ شَثْنٍ كأنّهُ .. أساريعُ ظبي أو مساويكُ إسحلِ
 تُضيء الظلامَ بالعشاء كأنها .. منارة ُ ممسى راهب متبتل

 وفي حالة استثناء، نجدمع بداية العصر العباسي بعض الشعراء الذين تغنّوا بالجسد الرشيق الأهيف المتناسق، مثل قول القائل:

 لا أعشق الأبيضَ المنفوخ من سمنٍ .. لكنني أعشق السُمْرَ المهازيلا

 ومنهم من شبهها بالغزال وجعل النسيم يلغب بقوامها النحيل كالغصن الرطيب الأهيف، حيث قال:

 عبث النسيم لقده فتأودا .. وسرى الحياءُ بخدّه فتوردا
 رشأٌ تفرد فيه قلبي بالهوى .. لمّا بدا بجماله متفردا
 قاسوه بالغصن الرطيب جهالة .. تالله قد ظلم المشبه واعتدى

 ولكننا نجد أجمل الشعراء تصويرًا لرشاقة الجسم وتناسقه، هو الشاعر العباسي المُلقَّب بديك الجن، فقد قال:

 ومعدولة مهما أمالت إزارها .. فغصنٌ وأمّا قدّها فقضيبُ
 لها القمر الساري شقيقٌ وإنها .. لتطلع أحيانًا له فيغيب
 أقول لها والليل مُرخٍ سدوله .. وغُصن الهوى غض النبات رطيب
 لأنت المنى يا زين كل مليحة .. وأنت الهوى أدعى له فأجيبُ

 أيضًا ما نجده من جمال تصوير الشاعر الصقلي ابن أبي البشر عن امرأة ذات رشاقة ترقص بكل رقة:

 هيفاء إن رقصت في مجلس رقصت .. لوب من حولها من حذقها طربا
 رشيقة القد لو جالت بخطوتها .. في جفن ذي رمد لم يشتك الوصب