نصوص مختارة لفولتير عن الخالق والتعصب والأخلاق


بديهيات:

ليس من مجتمع يستطيع أن يبقى بدون عدالة. لنبشِّر إذًا بإلهٍ عادل. وإذا كانت قوانين الدولة تُعاقب الجرائم المعروفة، فلنبشر إذن بأن الله يعاقب الجرائم المجهولة.
لا تقولوا أبدًا أنه يجب خداع البشر باسم الله، فذلك من قول الشيطان لو أن الشيطان موجود.
ذروة السُخف أن نبشر بإله أشبه شيء بالطاغية البربريّ الذي لا يعرف الشفقة، ويُصدِر، بالسر، قانونًا مستعصيًا على الأفهام، يُسِّر به إلى عدد قليل من المُقربين إليه، ويحكم بالذبح على سائر الناس الذين تجاهلوا ذلك القانون.
سلاطين برابرة يقولون لكهنة برابرة: اخدعوا رعايانا كي يخدموننا على وجه أفضل، وسندفع لكم أتعابكم. وإذا بالكهنة يسيطرون على الشعب ويخلعون السلاطين. هل تريدون أن تكون دولتكم قوية، مسالمة؟ ليخضع الدين لقانون الدولة.

==

التعصب:

التعصب جنون ديني كئيب، فظ. وهو مرض يُصيب العقل ويعدي كما يعدي الجدري، وتنقله الكتب أقل مما تنقله الاجتماعات والخُطب، إذ من النادر أن يحتدَّ المرءُ وهو يقرأ لأن أعصابه تكون هادئة. ولكن حينما يخطب رجلٌ متحمِّس، ذو خيال قوي، في أنسٍ ذوي مخيلات ضعيفة، فإن عيناه تقذفان النار وتدبُّ هذه النار في السامعين، وتؤثر حركاته ونبراته في أعصابهم. ويصيح الخطيب أن الله يراكم، فجاهدوا في سبيله. فيذهبون ويُجاهدون.
والتعصب إذا قورن بالإيمان بالخرافات كالهذيان إذا قورن بالحمى وكالقَيْظ إذا قورن بالغضب.

وثمة متعصبون باردو الأعصاب، وهم القضاة الذين يحكمون بالإعدام على من لا جريمة لهم سوى أنهم يفكرون على شاكلتهم. وهؤلاء القضاة يزيد في إجرامهم وفي كراهيتهم أنهم لا يصدرون أحكامهم وهم في سَورةٍ من الغضب. وهم لذلك أقرب الاستماع إلى صوت العقل.
وليس من دواءٍ لهذا الداء المُقيم إلا الفكر الفلسفيّ، الذي إذا انتشر، من جهة إلى أخرى، أدى إلى تلطيف أخلاق البشر وهدأ من حدَّةِ المرض. إذ أن على المرء أن يهرب حينما يستشري هذا الداء وينتظر حتى يتنقّى الجو.
ولا القوانين ولا الدين تكفي لمكافحة هذا الطاعون الذي يصيب الأنفس. والدين ينقلب سمًا ناقعًا في الأدمغة المُصابة بالتعصب، عوضًا عن أن يكون بلسمًا لها. والقوانين عاجزة كل العجز إزاء هذا السعار، فهم لا يفهمون لغتها ولا يدركون مضمونها. فالمتعصبون مقتنعون بأن روح القدس قد تمثل فيهم، وهو فوق القوانين، وليس من قانون إلا حماسهم واندفاعهم.
فما الذي يمكن قوله لرجل يقول أنه يفضل طاعة الله على طاعة البشر، فهو إذن، واثق من دخول الجنة حين يذبحك ويذبحني ..

إن الفلسفة تضفي على النفس السكينة، والتعصب على طرفي نقيض مع السكينة. والمتعصبون لا يحاربون دومًا في سبيل الله، ولا يغتالون دومًا الملوك والأمراء.
وكل متعصب مكّار لا وجدان له، كما أنه قاتلٌ يغتال عن نية حسنة في سبيل قضية يظنها صالحة.

==

الأخلاق الشاملة:

يبدو لي أن الأخلاق تشمل الكون بأكمله، وأنها من صُنع الخالق الذي صنعنا وجعل منها موازنة لأهوائنا السيئة وراحت من العذاب الذي لابد منه في حياتنا القصيرة، حتى أنني أرى جميع الفلاسفة، منذ أقدم الأزمنة حتى الآن، يبشرون بالأخلاق نفسها على الرغم من اختلاف آرائهم بعلة الوجود. ولكن قوم طقوسهم وعباداتهم، وآراؤهم الميتافيزيقية واللاهوتية .. ولكن إذا جرى القول على العدل، وهل يجب على الإنسان أن يكون عادلاً كان الجواب: نعم، على جميع الألسنة في الكون كله.

من كتاب (فولتير: حياته، آثاره، فلسفته)، تأليف: أندريه كريسون، ترجمة: صباح محي الدين

Share this post