blogger-image--119135414

هو أيضا يعزف ولا جدوى – عن عماد أبو صالح




قصائده الجميلة تدل عليه، حين لا يعرفه أحد تماما، ولم تطالعنا صوره أو أخباره في جريدة أو مطبوعة، لكن عماد أبو صالح أيضا يدل على نفسه. لم ينتظر طابور الواقفين أمام دور النشر، لم يزاحم الآخرين على المكاسب والأطماع الصغيرة، وعلى نفقته الخاصة هو البسيط الكبير المال، قام بطبع دواوينه الثلاثة ( أمور منتهية أصلا ) 1995 ، ( كلب ينبح ليقتل الوقت ) 1996 ، ( عجوز تؤلمه الضحكات ) 1997 .

شاعر لم تصنعه مؤسسة ، ولم تفرضه وسيلة اعلام أو جماعة تمنح خطواته الأولى مشروعية للتواطؤ معها .

في ديوانه الثالث الجديد ( عجوز تؤلمه الضحكات )يتابع عماد أبو صالح ما فعله فيالديوانين السابقين، حين يختارموضوعا محوريا يجعل منه سياقا للنص . أجواء متشابهة وأناس ليسوا غرباء عن بعضهم البعض. في ( كلب ينبح ليقتل الوقت)كانت الحياة الريفية في دلتا مصر، بمفرداتها الخشنة الصافية . كان البيتوالأهل والوجوه القريبة ، وكانت الذات التي تسكن في ذكريات طفولتها .

وفي (عجوز تؤلمه الضحكات) كانت تجاعيد السنوات ، وانحناءات الجسد ، بيانا قاطعا لكل ماتم تخريبه فينا. وبسخرية لاذعة تتجنب الوقوع في فخ الحكمة والموعظة أو في فجاجة الميلودراما ،راح عماد أبو صالح يسرد حكاياته عن البشر العجائز .

يخرج من صوته الفردي ، من ذاته ، من ضمير المتكلم ( أنا ) الى صوت جماعي أقرب الى صوت الطفولة بخيالاتها البسيطة العفوية والغرائبية :

كان يوهمنا بأنه سيحكي 

حكاية جميلة

ويفرش لنا طرف جلبابه الممزق

ثم يقضم فجأة

من أيدينا

رؤوس أحصنة الحلوى

يخرج من المكان ( القرية) .. ( البيت ) تلك الأماكن شغلت مساحات ديوانيه السابقين .. يخرج هذه المرة الى الشارع ( فقلبه أوسع من باب البيت ).. يخرج الى أماكن طازجة، تحيلنا الى عوالم مدينية ، خيالية أكثر منها واقعية . أماكن تمنح الصورة الشعرية أقصى حرية ممكنة لاطلاق الخيال .. هكذا تتقافز الحكايات في الحدائق والقطارات ودواليب الملابس والمسارح واستوديوهات السينما وتحت السرائر :

بحثوا عنه كثيرا

ثم رحلوا وتركوه وحده

كان مختبئا تحت السرير

يلتهم علبة كاملة من المربى

وبرغم أن قصائد الديوان تحكي عن عالم العجائز ، فهي تحيلنا دائما الى ( مفارقة ) ظاهرية و ( مطابقة ) جوهرية حين تحيلنا الى عالم الطفولة الذي يظل عبر الصوت الجماعي داخل مشهد الحكاية ، وداخل البنية الخيالية للصورة الشعرية ذاتها:

قطار أراد فقط أن يسير

بأرجل من لحم ودم

خطف قدميه

فصار بلا قدمين

تلك المفارقة تمتتليء بها قصائد الديوان، حتى غلاف الكتاب الذي صممه بنفسه، يحتوي صورة لرجل اشبه برسومات الأطفال وخطوطهم العفوية وفوق الصورة وضع العنوان ( عجوز تؤلمه الضحكات ).

وتتعمق المفارقة بدلالات متعددة ، فكل العجائز الذين يقدمهم الديوان( وبكل مايشي به الاسم من معاني العجز) يفيضون بالحركة وحب الحياة ومقاومة الشيخوخة والتوقف . انهم أطفال أيضا يلتهمون المربى ، ويرقصون على ايقاع الطلقات ، ويخلطون بين الحب والحلوى. انهم جميعا محكومون بالأمل والاصرارعلى العمل . هكذا يواصل الترزي العجوز فتح دكانه وخياطة جلبابه البني اللون رغم أن الأطفال لم يرشقوا له الخيط في ثقب الابرة ، وتصر المرأة العجوز التي انخلع كفاها من كثرة غسل الملابس في البيوت ، على الوقوف ساعات بالحديقة على أمل أن ينمو لها كفان لتعود الى العمل ، وتضع الممثلة العجوز كمية كبيرة من المساحيق لتبحث عن دور في الاستوديو، بينما يعزف عجوز آخر للأطفال فاصلا موسيقيا من صرير مفاصله. طاقة استثنائية مضادة ومقاومة لما يشي به المشهد من عجز وتوقف ، مضادة ومقاومة لذلك التخريب المتواصل الذي أحدثه الزمن في رأس كل منا، بما استحق سخرية الجماجم :

حين نموت

وتنهش الديدان لحم وجوهنا

التي خربتها الحياة

تبتسم جماجمنا

ابتسامة كبيرة

ويدعونا الشاعر للسكوت، ومحاولة فهم ما يحدث.. وما يحدث هو تلك التجاعيد التي حفرت أوجاعها على وجوه هؤلاء البشر الأصفياء داخل حكاياتهم الجميلة وثرثراتهم الطفوليةالمؤلمة.. ما يحدث أو ما يدعونا الشاعر الى تأمله وفهمه، لا يدركه هوأيضا ولا يشير اليه ، فلا شيء يمكن الامساك به وملاحقة خيوطه .. من حفر تلك التجاعيد وضرب تلك الوجوه؟ .. سؤال عبثي تماما لايستند الى قراءة واقع أو تاريخ .. سؤال عبثي مبهم يطاول قدرا لافكاك منه ليواصل كل منا ما يواصل، بينما الضحكات العالية تلاحقنا بسخرياتها دون قدرة على التدقيق أو الفهم .



عبلة الرويني
عبلة الرويني
أخبار الأدب

1997

Share this post