في مديح العبث العلمي – كارل ساجان


في منتصف القرن التاسع عشر قامت الملكة فيكتوريا بزيارة معمل الفيزيائي البريطاني مايكل فاراداي الذي علم نفسه بنفسه تقريبًا، وتراوحت اكتشافات فاراداي العديدة ما بين المبهرة ذات الفوائد العلمية الفورية والغامضة في مجالات الكهرباء والمغناطيسية والتي لم تزد عن أن تكون من الغرائب المعملية. وخلال الحوار التقليدي بين رؤساء الدول ورؤساء المعامل سألته الملكة عن فوائد الإكتشافات، ويقال إنه أجابها قائلًا “وما فائدة طفل رضيع يا سيدتي؟” وكان فاراداي يقصد أنه يومًا من الأيام قد تظهر فوائد للكهرباء والمغناطيسية.

وفي نفس تلك الفترة وضع الفيزيائي الإسكتلندي جيمس كلارك ماكسويل أربع معادلات رياضية مبنية على أبحاث فاراداي ومن سبقه من باحثين تجريبيين، تنظم العلاقات بين الشحنات والتيارات الكهربية وبين المجالات الكهربية والمغناطيسية، وظهر في المعادلات عدم اتساق غريب مما أزعج ماكسويل. فقد بان بها قدر من الخلل في البناء الجمالي لا يتفق مع القواعد السائدة للمعادلات وقتئذ. فأضاف ماكسويل حدًا إضافيًا لإحدي المعادلات أطلق عليه اسم “تيار الإزاحة”.وكانت دوافعه لذلك تخمينية في مجملها، فمن المؤكد أنه لم تكن هناك تجربة لإثبات وجود مثل ذلك التيار. وكان لإقتراح ماكسويل نتائج مدهشة، فمعادلة ماكسويل المعدلة شملت ضمنيًا وجود الإشعاع الكهرومغناطيسي الذي يشمل أشعة جاما وأشعة إكس والأشعة فوق البنفسجية والضوء المرئي والأشعة تحت الحمراء والراديو، وكلها حفزت أينشتاين على إكتشاف النسبية الخاصة. وبعد ذلك بقرن ترتب على أعمال فاراداي وماكسويل المعملية والنظرية حدوث ثورة تكنولوجية على كوكب الأرض. فاستخدام الكهرباء في الإضاءة، واختراع التليفون، والفونوغراف، والراديو، والتليفزيون، والقطارات ذات الثلاجات التي تجعل منتجات المزارع البعيدة متاحة وهي طازجة، ومنظمات ضربات القلب، ومحطات القوى الكهربية، وأجهزة الإنذار بالحريق، والترام الكهربائي، ومترو الأنفاق، والكمبيوتر، هي مجرد منتجات قليلة في المسار التطوري للعبث المعملي الغامض لفاراداي وعدم رضاء ماكسويل عن الشكل الجمالي وهو يحدق في بعض الشخبطات الرياضية على قطعة من الورق. ولقد اكتُشف العديد من التطبيقات العملية للعلم صدفة ودون توقع. ولم يكن أي مبلغ من المال ليكفي أيام الملكة فيكتوريا لحفز أي عالم بريطاني مرموق لأن يخترع أي شيء، التليفزيون على سبيل المثال. ومما لا ريب فيه أن المحصلة النهائية لتلك المخترعات إيجابية ولا ينكر ذلك إلا ندرة قليلة. وقد لاحظت أن كثيرًا من الشباب الذين لا تفتنهم الحضارة التكنولوجية الغربية، وكثيرًا ما كان ذلك لأسباب وجيهة، لديهم شغف عاطفي ببعض مظاهر التكنولوجيا الرفيعة مثل أجهزة الموسيقى الإلكترونية فائقة الحساسية.

كارل ساجان – من الفصل الثاني من كتابه “رومانسية العلم”

Share this post