في ذكرى ميلاد فنان الموسيقى : قراءة تحليلية في موسيقى سيد درويش


في معظم الكتابات عن فنان الشعب “سيد درويش” يمكنك أن تقرأ عن حياته والأحداث التي مرّ بها ، لكنك نادراً ما تقرأ عن مشواره الفنيّ وما أضافه فنان الشعب إلى تراث الموسيقى العربية . لقد قام “سيد درويش” فى مصر بما قام به “بيتهوفن” فى ألمانيا ، حيث صعد الاثنان ، كل بموسيقاه ، إلى القمة ، وفى حين مهّد لظهور “بيتهوفن” عمالقة مثل “باخ” و”هايدن” و”موتسارت” فقد ظهر “سيد درويش” بانقلاب كبير لم يسبقه تمهيد.


إمتد تأثير “سيد درويش” إلى كامل المنطقة العربية عن طريق من ساروا على نهجه بعد رحيله ، وقد عاصر “سيد درويش” أواخر العصر الرومانسي الأوربي الذى شهد آخر مؤلف عام 1907 وهو “إدوارد جريج” النرويجى ، وترامت إلى مسامعه أعمال رواد الفن الموسيقي الأوربي حتى “فيردي” الإيطالي الذى صاغ أوبرا عايدة المصرية لحفل افتتاح قناة السويس عام 1869 ، وكان رغم إعجابه بأعمالهم لا يقلدهم ، وإنما كانت موسيقاه معبرة تماماً عن إحساس ومِزاج الشعب المصري الذى حُرم طويلاً من ممارسة الفنون الراقية بفضل الإستعمار التركي العثماني الذي إحتكر فن الموسيقى وصبغها بصبغته وقصر ممارستها على الطبقات الإقطاعية وأفراد الأسر المالكة ، وقد تشابه دوره هذا مع دور “بيتهوفن” حيث وُصِف كل منهما بأنه خلّص موسيقى شعبه من الآثار الأجنبية وانتمى إلى موسيقى أمته مباشرة ثم وصل بها إلى أعلى المراتب .


وتنوع إنتاج “سيد درويش” ليشمل أنماطاً عديدة من التأليف الموسيقي حاول بها إثبات أن كل ما يُكتَب يمكن أن يُلَّحن ويُغَّنى ما دامت هناك فكرة ورأي وموقف وإحساس ، حتى الأنماط الأقدم إستعملها فى أساليب جديدة ، وما يهمنا هنا هو أن موسيقى هذا الفنان قد احتوت على قدر عالٍ من القيم الفنية يجعلها جديرة بالدراسة والتحليل والتأصيل والتنميط ، ونحن نشعر بينما نستمع إلى ألحانه أننا نستمع إلى أصول وليس إلى فروع أو تقليد .


عندما سُئِل شيخ الملحنين الموسيقار السكندرى “محمد عفيفى” ، وهو أكبر حافظ لتراث “سيد درويش” ، عن بدايات اهتمامه بالفن أجاب : لقد أعجبت بألحان محمد عبد الوهاب كثيراً ، ولكن حينما استمعت إلى أعمال “سيد درويش” أدركت أننى أستمع إلى الأصل !


وسنحاول أن نعرض هنا أمثلة عن التحولات التى أحدثها “سيد درويش” في الموسيقى عن طريق عرض خصائص فن سيد درويش :


1 – إختيار الموضوع كمدخل للتعبير الموسيقي :

إن الموضوعات التى طرقها “سيد درويش” لم تكن لتخطر على بال أحد فى ذلك الوقت ، ففي عصر اقتصرت فيه وظيفة الفن على التسلية ، والموضوع الفني على العشق والغرام يقتفى “سيد درويش” شعور الإنسان بآلامه وأحلامه ويخاطب الجماعة كما يخاطب الفرد ، واستطاع بعد مئات من السنين أن ينتقل بالفن من حيز التطريب الضيق إلى آفاق التعبير الرحبة ويخطو خطوات كبيرة نحو عالم الإنسانية الواسع ، ويجعل من هذه الرسالة هدفاً لحياته .


2 – مدرسة سيد درويش الموسيقية :


أ- فى الغناء :

تخلّص “سيد درويش” من كثير من الطقوس الموسيقية التى صحبت الغناء فى عصره ، وانتقل إلى أسلوب الدخول مباشرة فى الموضوع ، وإذا ضربنا مثالاً بالسفر إلى هدف معين يمكن الوصول إليه بعدة طرق فقد اختار سيد درويش أقصر وأسرع وأسهل الطرق للوصول إلى قلب المستمع وذهنه ، ولا شك أن ذلك يتطلب براعة خاصة لم تتوفر لغيره ، وقد كمنت موهبة “سيد درويش” الأساسية فى هذه القدرة التى مكنته من الوصول للناس بتلقائية واضحة .


ب- المدرسة التعبيرية فى الموسيقي :

التعبير فى الموسيقى كاصطلاح غير التعبير بالموسيقى ، يندرج تحت التعبير بمفهومه العام أي إحساس يتولد لدى السامع نتيجة سماعه لأنغام معينة ، وهناك مقامات فى الموسيقى الشرقية معروفة بتعبيرها عن الحزن مثل “الصبا” و”الحجاز” ومشتقاتهما ، وهى تحتوى على هذه القيمة سواء صحب الموسيقى كلمات أو لا .


واتبع سيد درويش فى سبيل ذلك أسلوبين ناجحين هما :


1- وحدة العمل ، واستخدام الجو العام للحن من ناحية إيقاعه وتركيب نغماته فى التعبير عن المعنى العام للكلمات أو الموقف .

2- التصوير المباشر ، واستخدام جمل موسيقية معينة فى التعبير عن الجمل اللغوية أو الكلمات المفردة .

وقد استخدم سيد درويش الأسلوبين منفصلين وممتزجين .


الواقع أن البحث فى موسيقى “سيد درويش” يتسع لأكثر مما جاء فى هذا البحث بكثير ولكن نكتفى هنا بالقول بأنه لهذه الأسباب ولغيرها ذكرنا بداية أنه عنـد مقـارنة ألحان “سيد درويش” بما قبلها نجد عناصر قد اختفت وحلت مكانها عناصر جديدة أصبحت هى السمات الأساسية للألحان من بعده ، وهو بذلك قد وضع قواعد وأساليب جديدة فى التلحين 


المقال بحث وتحليل : د.أسامة عفيفي
معالجة : التحفجية

Share this post