جان بياجيه – التطور المعرفي عند الأطفال


لعل أهم النظريات وأكثرها اعتمادا في مجال التطور المعرفي (أو الإدراكي) عند الأطفال هي نظرية “جان بياجيه” (1896 – 1980).

وكما هو الحال في كل النظريات المرحلية، تنص نظرية “بياجيه” للتطور الإدراكي على أن الأطفال يمرون بعدة مراحل محددة يتطور أثناءها ذكاؤهم وقدرتهم على رؤية العلاقات بين الأشياء. هذه المراحل تتم وتكتمل في ترتيب ثابت لكل الأطفال. ما يختلف هو طول الفترة العمرية لكل مرحلة، فقد تختلف من طفل لآخر.

1 - المرحلة الحسية: (Sensorimotor Stage)

تمتد هذه المرحلة من الولادة وحتى سنتين، حيث يبدأ الطفل في إدراك المعلومات التي يستوعبها عن طريق “الحواس”، وعن طريق قدرتها على التعامل مع العالم الخارجي.

خلال هذه المرحلة يتعلم الطفل كيفية التعامل أو التلاعب بالأشياء من حوله رغم فشله في إدراك مبدأ “الديمومة” لتلك الأشياء مادامت لم تقع في مدى إدراك حواسه. بمعنى آخر، بمجرد إزالة هذا الشيء أو الغرض من مجال إدراك الحواس عند الطفل (سمع، رؤية، شم، لمس، تذوق) فهو لم يعد له وجود.

الإنجاز الأهم في هذه المرحلة هو أن يبدأ الطفل في إدراك مبدأ “ديمومة الأشياء”، أي أن الأشياء، حتى لو خرجت من مجال إدراكه، فهي ما زالت مستمرة في الوجود. مثال ذلك قدرته على فهم أنه حين تتركه أمه مع جدته، وتغادر الغرفة، فإنها في النهاية ستعود، وهذا يؤدي إلى زيادة الإحساس بالأمان والسلامة عنده.

مبدأ “ديمومة الأشياء” يظهر في حالته النهائية في نهاية هذه المرحلة –في عمر الثانية غالبا-، ويتمثل في قدرة الطفل على تكوين صورة عقلية عن هذا الشيء (أو الشخص) بدون أن يكون له حضور فعلي أمامه.

2 – المرحلة ما قبل العملياتية: (Preoperational Stage)

المرحلة الثانية وتظهر ما بين سن الثانية والسابعة. خلال هذه المرحلة يبدأ تطور اللغة في الظهور بمعدل سريع. يتعلم الأطفال كيفية التفاعل مع بيئتهم بطريقة أكثر تعقيدا من خلال استعمال الكلمات والصور.

تتميز هذه المرحلة بــ”تمركز الذات”، أو اعتقاد الطفل أن كل الأشخاص من حوله يرون العالم كما يراه هو. بالإضافة إلى فشل تام في فهم أن الإدراك يختلف من شخص لآخر، واعتقاد الطفل أن الجمادات لديها نفس القدرة على الإدراك مثله، وأن بإمكانها أن ترى، وتشعر، وتسمع، وحتى أن تلمس.

عامل آخر مهم في هذه المرحلة، وهو مبدأ “الحفظ” (Conservation)، و يعني قدرة الطفل على فهم أن “الكم” لا يتغير بتغير “الشكل”. بمعنى آخر، لو وضعت أمام الطفل كوبين من العصير، فيهما نفس “الكمية”، أحدهما طويل ورفيع، والآخر قصير وعريض، فسيختار الكوب الأطول لاعتقاده أنه يحتوي على كمية أكبر.

هذا لأن الطفل غير قادر على فهم مبدأ “المعكوسية” (Reversibility) ، وعدم قدرته على إدراك وجود عدة متغيرات للحدث الواحد، فهو لا يستطيع إدراك سوى متغير واحد فقط كالطول، ولا يستطيع أن يدمج معه متغير آخر كالحجم، أو عرض الكوب مثلا.

3 – مرحلة العمليات المادية: (Concrete Operations Stage)

تظهر هذه المرحلة ما بين عمري السابعة والثانية عشر، ويبدأ في هذه المرحلة حدوث اختفاء تدريجي للتفكير المركزي، وزيادة القدرة على التركيز على متغير وأكثر للعملية. يمكن للطفل في هذه المرحلة فهم مبدأ “المجموعات”، وأن الكلب الصغير والكلب الكبير يظلان كلابا. وأن العملات النقدية على اختلافها تظل جزءا من فكرة “النقود”.

على الرغم من ذلك، فإن الطفل في هذه المرحلة يظل فاقدا لتطبيق ما تعلمه من هذه المبادئ على الأشياء المتخيلة. أي أنه لا يستطيع تطبيق هذه المفاهيم الجديدة سوى على الأشياء المادية فقط (الأشياء التي اختبرها فعلا). بمعنى أن الأشياء المتخيلة، أو التي لم يرها، أو يسمعها، أو يلمسها تبقى –بشكل ما- غامضة له، ويظل التفكير التخيلي (أو التجريدي) غير ناضج بعد.

4 – مرحلة العمليات المنهجية (الاصطلاحية): (Formal Operations Stage)

المرحلة الأخيرة من مراحل التطور الإدراكي (من سن الثانية عشر إلى البلوغ). يبدأ الطفل في تطوير نظرة أكثر تجريدية للعالم. يمكنه في هذه المرحلة تطبيق مبدأي “المعكوسية” و”الحفظ” على الحالات الواقعية والمتخيلة على السواء.

كما يتمكن الطفل من تطوير وعي أكبر نحو العالم، ونحو مفهوم السبب والنتيجة” (Cause & Effect).

مع بداية سنوات المراهقة يبدأ الشخص (أو ما كان طفلا) في تكوين نظرياته ورؤيته الخاصة نحو العالم.

ينجح معظم الأطفال في إنجاز هذه المرحلة، على الرغم من أن الفشل فيها دائما ما يرتبط بنسبة ذكاء منخفضة.

ترجمة و إعداد: التحفجية

Share this post