SB

مئوية صمويل بيكيت: الحياة على المحكّ

يحتفل العالم، وليس إرلندا وإنكلترا وفرنسا وحدها، بالذكرى المئوية لولادة الشاعر والمسرحيّ والروائي الإرلندي الكبير صمويل بيكيت (1906 ـ 1989)، ليس دون إجماع مذهل حول عبقريته الفذّة وأدبه الرفيع وإنسانيته الفريدة غير المألوفة عند كتّاب الطليعة والحداثة والعبث، وليس دون اختلاف واسع النطاق ـ ولهذا فهو صحيّ تماماً ـ حول هذا أو ذاك من خطوط تأويل رموزه وتفكيك موضوعاته وتحليل الأساليب والأشكال والخيارات الفنّية التي جعلته أحد كبار روّاد التجريب على امتداد القرن العشرين بأسره.

وعلى سبيل المثال، تنطلق برامج الاحتفاء الواسعة التي بدأتها “حلقة أبحاث صمويل بيكيت” في اليابان من فلسفة متكاملة ومدهشة بعض الشيء: أنّ في أدب بيكيت الكثير من عناصر المأساة والملهاة والألم والأمل التي لا تمثّل الإنسانية جمعاء فحسب، بل تمسّ الوجدان الياباني في الصميم، أو تمثّل روح اليابان بالمعنى الوثيق الدقيق! وهم يرون، كما يرى معظم عشّاق فنّ بيكيت ودارسيه، أنّ عمله يتجاوز أيّ وكلّ حدود تقيمها المفاهيم المسبقة، القارّة الراسخة خصوصاً، حول “الشرق” و”الغرب” بادئ ذي بدء، ثمّ في تسعة أعشار القضايا التي تخصّ الفنّ والأدب والرواية والمسرح والفلسفة ولغة الكتابة والمقاومة والحياة والموت. ليس غريباً، بالتالي، أن يطلقوا على احتفالات المئوية اسم “بيكيت بلا حدود” من جهة أولى؛ وأن يتعمدوا، من جهة ثانية، دعوة باحثين من آسيا والشرق عموماً، أكثر من أوروبا والغرب؛ وأن يكرّسوا محوراً أساسياً بعنوان “بيكيت وآسيا”، يتلمّس حقلاً بحثياً جديداً تماماً، وبالغ الخصوبة والجدوى والأهمية.

ولعلّ معظم الأسباب التي تجعل بيكيت كونياً هكذا إنما تنبثق من استراتيجية أساسية كبرى حكمت معظم نتاجه، أو لعلّها الروحية العظمى في ذلك النتاج: أنّ معطيات دائرة العبث المطلق التي تتحرّك فيها شخوصه، ونتحرّك معها بدورنا، أكثر اتساعاً وتعقيداً وإيغالاً في النفس البشرية من أن تُدرج الثنائيات التقليدية بين خير وشرّ، وشرق وغرب، ورجل وامرأة، أو أن تقبل احتكار “الروايات الكبرى” التي تمنح هذه الثقافة أو تلك تفوّقاً من أي نوع في تمثيل الهواجس الإنسانية. والشخصيات حاملة هذه الاستراتيجية لا تهبط مرّة واحدة عن مستوى التمثيل التراجيدي الأقصى لمعضلات هذا العالم، الذي ينتظر غودو عبثاً، ولكنه لا يكفّ عن الانتظار؛ والذي يأخذ هيئة جمجمة مجوّفة هائلة فيها يواصل الكائن البشري خضوعه لشرط وجود ناقص: لابثاً في حاوية قمامة، مسمّراً على كرسيّ هزّاز، جامداً كلوح من الخشب أمام نافذة مظلمة، مدفوناً حتى عتقه في الرمال، أو مقلوباً على وجهه في حمأة من الطين…


من جانب آخر، كانت الأسئلة الكبرى التي أثارتها أعمال بيكيت قد تجاوزت حدود تراجيديا البشر بما تنطوي عليه من عزلة ويأس ومهانة وعبث، لتبلغ مأزق التعبير ذاته، في المعنى واللغة والشكل والرسالة. ولقد قاد الرواية، مثلاً، إلى منعطف مغلق (وبالتالي فإنه، لهذا تحديداً، جعلها مفتوحة الاحتمالات)؛ وجرّد المسرح من بعض أهمّ عناصره، حين جمّد الشخصية في المكان وألغى حركتها على الخشبة؛ وكاد أن يذهب بالتمثيلية الإذاعية إلى حافة “الصوت الصامت”، أو الصوت غير اللغوي؛ وقارب فنّ السينما لكي يوقّع بياناً شجاعاً ضدّ فحشاء الصوت والمؤثرات وألعاب السيناريو، لصالح المعطى البصري دون سواه.


وفي رائعته “أيام هانئة” رسم واحداً من أصعب الأدوار النسائية في تاريخ المسرح، إذْ كيف يمكن لممثلة مهما بلغت براعتها أن تسترعي انتباه المشاهد إليها (بوصفها الشخصية الوحيدة) وهي مدفونة في كثيب رملي حتى ثدييها في الفصل الأوّل، وحتى عنقها في الفصل الثاني والأخير؟ وكيف يمكن لها ذلك وقد سُلّطت عليها، أو على فمها تحديداً، بقعة ضوء ساطع يخطف الأبصار ولا يبارح خشبة المسرح حتى إنزال الستارة؟ ورغم ذلك، فإنّ نجمات المسرح الغربي تسابقن لأداء الدور، وبينهنّ روث وايت، بريندا بروس، ماري كين، مادلين رينو، إيفا كاتارينا شولتز، بيغي أشكروفت، إرين وورد، وبيللي وايتلو. 

وفي سياقات كلّ هذا التجريب المتعدد كان بيكيت قد وضع اللغة ذاتها موضع مساءلة عنيفة قاسية. ولم يكن مستغرباً أن يكتب أعظم أعماله، الثلاثية الروائية ومسرحيته الأشهر “في انتظار غودو”، باللغة الفرنسية وليس الإنكليزية. إذْ بمعزل عن فلسفته الشخصية التي تكمن وراء هذا الخيار، أي رغبته في التخلّص ما أمكن من ضغط وإغواء وسطوة البلاغة الفطرية في اللغة الأمّ، ثمة تلك العلاقة الوطيدة التي جمعته مع اللغة الفرنسية، أو مع فرنسا عموماً في الواقع. وكان قد جاء إلى باريس سنة 1928 لإكمال دراسته الجامعية، وناقش أطروحة متميّزة عن الروائي مارسيل بروست، وانضمّ إلى حلقة مواطنه الروائي الكبير جيمس جويس (ولم يكن سكرتيره الخاصّ، كما يتردد في بعض المراجع)، ثمّ أخذ يكتب بالفرنسية أو يترجم إليها. ولكي يبرهن أنّ روحه الكونية ليست مقتصرة على النصّ وحده، انضمّ بيكيت إلى حركة المقاومة الفرنسية أثناء الاحتلال النازي، واضطرّ إلى التخفّي والعيش في الحياة السرّية حين اكتشف النازيون أمر الخلية التي كان منضوياً فيها، فغادر باريس إلى الجنوب ليشارك في مختلف أعمال المقاومة، رغم أنّه يحمل جنسية بلد محايد في الحرب وكان من حقّه أن يقيم في باريس بلا منغصات.


كذلك كان بيكيت فناناً شديد الأصالة وبالغ الانهماك في المعضلات الجمالية للنصّ الأدبي أسوة بالمعضلات الكبرى للوجود الإنساني. ولقد رفض بثبات تقديم أيّ تنازل لجمهوره، وكلما اتسعت شهرته ازداد خجلاً وانكماشاً وتوارياً عن الأنظار والعدسات. وحكايته مع جائزة نوبل للآداب، التي نالها سنة 1969، لم تكن طريفة عجيبة فحسب، بل كانت مجرّد تفصيل مألوف عادي في سلوكه العامّ اليوميّ، أياً كان الحدث وأياً كانت العاقبة. وفي سيرته التي تحمل عنوان “محكوم بالشهرة”، وهي الأفضل بين جميع السِيَر التي تناولت حياته، يروي جيمس نولسون عشرات التفاصيل التي تبرّر اختيار هذا العنوان لسرد حياة بيكيت، وبينها واقعة نوبل تلك.


كان بيكيت وزوجته سوزان ديشفو ـ دومنيل يقضيان أواخر الخريف في بلدة تونسية صغيرة اسمها نبول، تقع على مبعدة 40 ميلاً جنوب العاصمة، وكانا ينزلان في فندق صغير يدعى “الرياض”. وفي يوم 23 تشرين الأول (أكتوبر) 1969، وصلت من جيروم لاندون، صديق بيكيت وناشره، البرقية التالية: “العزيزان سام وسوزان. رغم كلّ شيء، لقد منحوك جائزة نوبل. أنصحكما أن تتخفيا. قبلاتي”. ولم تنجح كلّ الجهود في كشف مكانه، ثمّ حين توصّل الصحفيون إلى مكان الفندق وتقاطروا إليه بالعشرات، لم يفلحوا حتى بالتقاط صورة، بما في ذلك فريق التلفزة السويدي الذي عاد خائباً. 

وتبقى كلمة حول صمويل بيكيت الشاعر، الذي اخترنا له عدداً من القصائد في هذا الملفّ، لسببين. الأوّل أنه غير معروف كشاعر، في اللغة العربية على الأقلّ، ولعلّ هذه المختارات تفلح بعض الشيء في تمثيل نمط الشعر الذي كان يكتبه، والذي كان رفيعاً وجسوراً وناضجاً في قناعتي. السبب الثاني أنّ بيكيت بدأ شاعراً، ويتفق اثنان من كبار نقاد النصف الثاني من القرن العشرين، مارتن إسلين وهيو كينر، على أنّ الشعر لم يغادره قطّ، وتواصل في رواياته ومسرحياته، واتخذ من الأشكال والتعبيرات ما يتجاوز الحسّ الشعري أو الشاعرية التلقائية أو شَعْرَنة السرد والحوار. ويضرب كينر قصيدة “النسر” مثالاً على براعة بيكيت في التحايل على حجم القصيدة والزمن الذي تستغرقه قراءتها، بحيث يجعل محمولها الشعوري أشدّ كثافة من معمارها المجازي والصوتي. 

ولا يتردد اسم بيكيت إلا وتعود إليّ، شخصياً، تلك العبارة الصاعقة الصادقة التي أطلقها مسرحيّ كبير آخر هو البريطاني هارولد بنتر: “لا أريد منه [بيكيت] الفلسفات، والمنشورات، والدوغما، والعقائد، والمخارج، والحقائق، والإجابات… يكفيني أنه الكاتب الأكثر شجاعة، وكلّما سحق أنفي في البراز أكثر، ازداد امتناني له أكثر وأكثر”!

إعداد وترجمة: صبحي حديدي 

Share this post