meg

من يسعه أن يطوّق الصوت

اسمه ميجال إيرنانديث، هكذا ينطق بالإسبانية، رأت عينا ميجال الحياة أول ما رأتها في أخر أكتوبر 1910، مجرد طفل أخر لريفي بسيط، ينشأ ليشاهد القطعان هنا وهناك، لا تحجب أضواء المدينة عنه السماء، ولا يكف هو عن تأمل أشجار النخيل والبرتقال المنتشرة في الريف الإسباني أنذاك، دفعه ذلك لأن يكرر جملة وحيدة كتمرين على الكتابة تقول : ” أنا عظيم لمواظبتي على تأمل أشجار النخيل، أنا قاس نتيجة العيش جوار الجبال ” .
تنقل إيرنانديث بين بعض المجموعات الشعرية أثناء دراسته بمدرسة سان دومينجو حتى أنتقل إلى العاصمة، بعد عشرين سنة من مولده، لم يكن انتقال إيرنانديث للعاصمة مدريد ذو وقع صادم بالنسبة إليه، كأنه يحسب تحركاته ويعي ما يفعل، توجه نحو القراءة لينهل من مخزون إسبانيا الكلاسيكي عبر أربعة قرون، لكن، يظل جونجورا صاحب التأثير العميق في شعر ميجال في الفترة التالية، وجونجورا شاعر وقس إسباني عاش في النصف الأخير من القرن السادس عشر، وكان ذا مذهب شعري خاص سمي باسمه لتفرد اسلوبه في تلك الفترة بالمرونة لغويا وبقوة المحتوى ثقافيا ومعرفيا بالإضافة لترجمته العديد من الأساطير العالمية شعريا، أثرت صور جنجورا المركبة والغربية في ميجال بالتوازي مع تأثير المستوى الفكري واللغوي، يبدأ الفتى محاولاته في تعريف ذاته فيبدأ بمجموعة من قصائده تنشر في ديوان بعنوان ” محترف القمر ” عام 1933.
في هذا الفترة يجد ميجال نفسه وسط الشعراء الأوائل في إسبانيا فجأة، فمع نشره ديوانه الثاني ” شعاع لا ينطفيء ” يجد إيرنانديث نفسه متصلا بصداقات كثيرة مع أهم أدباء عصره مثل فيسينتي إليساندري وماريا ثامبرانو، لكنهم لم يأثروا جذريا في نشاطه الشعري كما فعل نيرودا، فقد أحتوى نيرودا تخبط الشاعر الشاب ووجه إدراكه تجاه عذاب الشعوب والتخبط الاجتماعي والحراك السياسي الدائر في أسبانيا حينها، ليصبح بعد بضع سنين وعقب موته أحد أيقونات الشيوعين في إسبانيا.
يشارك ميجال بشكل مكثف في الحرب الأهلية الإسبانية منحازا للجمهوريين مقابل القوميين، متخذا من شعره منصة ينحاز من خلالها للإنسان ولقيم مثل العدل والحرية ليظهر ديوانه الثالث بعنوان ” رياح القرية ” عام 1937 مدونا فيه ما ترتكب من مذابح وفظائع الواحدة تلو الأخرى، ولم يفته أن يشارك تطوعيا فانضم إلى مهام نشر التعليم للريف والتي أسسها الجمهوريين لنشر المعرفة بنفس التطور في العاصمة.
في العام نفسه الذي نشر فيه ديوانه الثالث يتزوج من جوزفين مانريزا، لتحمل منه ابنهما الأول فيكتب إيرنانديث إليها:
دون رحمككل شيء مبهمدون رحمك

سيأتي كل شي…

زائل، ماض، عقيم، مضطرب

دون رحمك

فارق الاستقرار كل شيء

كل شيء ماض

غبار محروم من عالمه

دون رحمك الشفاف، العميق

كل شيء قاتم

لكن الشاعر المهوم بالحرب الدائرة لم يهنأ كثيرا بأبنه القادم الذي يموت قبل أن يكمل سنته الأولى، فينصرف ميجال إلى الشعر والحرب الدائرة بالخارج، فيظهر ديوانه “الرجل المهدد” بين عامي 1938و1939 ليلعن الحرب وليعلن تخلف الإنسان عن إنسانيته، لكن الحرب سرعان ما تنتهي بنصر للقوميين، يحاول إيرنانديث الهرب إلى البرتغال ولكن أصحابه ينصحونه باللجوء لسفارة شيلي التي يفشل في اللجوء السياسي إليها بسبب تعنت موظف إداري في بعض الأعمال الروتينية وتفشل كذلك خطة هربه للبرتغال ليتم القبض عليه ويدان عام 1940 بالإنضمام للثوريين ويحكم عليه بالإعدام إلا أن نيرودا يظهر من جديد ليتوسط للحكومة الفاشية لتخفف الحكم للسجن ثلاثة عقود، ربما كان نيرودا يحاول جاهدا أن لا يصادف إيرنانديث مصير لوركا فيخطط مع مجموعة من أصدقاءهما أن يقوما بتهريبه، لكن ميجال إيرنانديث يرفض معللا بثقته بأن القدر السعيد سيزوره قريبا ويعيده إلى مسقط رأسه ليكمل حياته مع عائلته الصغيرة.
من محبسه بسجن توريخوس بمدريد لا يتوقف ميجال عن الشعر، يكتب على كل شيء، ورق الحمام، الحوائط، قصاصات فارغة تأتيه من هنا وهناك، ليخرج من سجنه ديوان لم يكتب له أن يكتمل سماه صاحبه ” أغنية ونشيد الغياب ” :
كلا…ليس هناك من زنانة تناسب الرجللن يستطيعوا قتلي

كلا…

عالم السلاسل هذا،

صغير بالنسبة إلي،

بل وناءٍ عني

من يسعه أن يحتجز الابتسامة

أن يُطَوّق الصوت

بعيدة أنتِ وحدك

أكثر وحدةً من الموت

بعيدة أنت

تجلسين وفي ذراعك حريتنا

نحن الاثنين

أنا حر

أشعر بحريتي خلال الحب وحسب

وفي مارس 1942 عن عمر 31 عام يتوقف ميجال إيرنانديث عن رفع صوته بالشعر، ليخبرنا كتابة على جدران مستشفى نقل إليها بسبب سوء حالته الصحية عن أخر ما يود الإفصاح به قبل أن يغادر هذا العام:
وداعًا…الأشقاء…والرفاق…

الأصدقاء…

اتركوني أنصرف من الشمس والحقول

Share this post