Марина-Цветаева

مارينا تسفيتاييفا شاعرة القدر المأساوي

كتابة وترجمة: إسكندر حبش

 

قدر بعض الشعراء في حياتهم، أن يعيشوا في الهامش، ألا تُقرأ قصائدهم وأن تبقى مجهولة، إلى أن تجيء لحظة، يُكتشفون فيها من جديد، أو بالأحرى، يولدون فيها من جديد. وتكون هذه اللحظة، لحظة اكتشاف عالمين شعري وحياتي غنيّين بالتناقضات والتفاصيل والدهشة، فهل هذا هو قدر كبار الشعراء؟

في صيف العام ،١٩٤١ وفي إحدى مدن “تاتاري”، كانت امرأة محطمة، تبحث بشتى الوسائل عن وظيفة لتكسب منها قوتها، إذ بعد أن عملت كمساعدة خادمة لفترة قصيرة، توسلت العمل مكان فتاة تركت عملها في أحد المستشفيات، لكنها جوبهت بالرفض، مثلما جوبهت، حين ألحت على استخدامها كغاسلة أطباق في أحد المطاعم. إزاء ذلك، ما كان منها إلا أن شنقت نفسها. كانت في التاسعة والأربعين من العمر، وكان اسمها مارينا تسفيتاييفا. كانت واحدة من أكبر الشعراء الذين عرفتهم روسيا في تاريخها.

في ربيع العام ،١٩٨٤ وبعد مراسم جنازة متواضعة في مقبرة صغيرة في مدينة “شامبري” الفرنسية، قرأ بعض الأصدقاء، قصائد مارينا تسفيتاييفا بالفرنسية. هذه القصائد، قامت بترجمتها عن الروسية، تلك المرأة التي كانت دفنت لتوها. عمرها ٣٩ عاما، وهي في بعض تفاصيل حياتها، تشبه الشاعرة الروسية، تدعى ايف مالوريه، وهذه الترجمات، هي الشيء الوحيد، الذي فعلته، لتعرّف بمغالاة واندفاع حقيقيين عبقرية هذه الكاتبة، التي كانت مجهولة في فرنسا وأوروبا في تلك الفترة. كانت تلك الترجمات، أولى قصائد تسفيتاييفا التي تترجم إلى لغة أخرى.

تتكاثر اليوم، الكتب حول تسفيتاييفا، وبخاصة باللغة الفرنسية، كما تتكاثر ترجمات شعرها من الروسية، إذ نستطيع أن نحصي العديد من هذه الكتب، منها على سبيل المثال لا الحصر: “بعد روسيا” ترجمة برنار كرايسي (منشورات ريفاج)، “من دونه” ترجمة هنري دولوي (منشورات فوربي)، “الإهانة الغنائية” لدولوي أيضا وعن المنشورات ذاتها، “الصبي” من دون ذكر اسم للمترجم (منشورات دي فام) كما كتاب “السماء تحترق”، منشورات “غاليمار شعر”. ناهيك عن الكتب التي تتحدث عن سيرتها مثل كتاب “مارينا تسفيتاييفا القدر المأساوي” تأليف مارينا بيليكينا (منشورات أليان ميشال) و”رواية مارينا” لدومينيك ديسانتي (منشورات بلفون) و”الأمل العنيف” لروضة جيمس (منشورات نيل)… وكأن قدر الشاعرة، الكثير الاضطراب والأوهام، يلهم العديد من كتاب السيّر، وبخاصة في فرنسا، هذا البلد الذي جاءته، حيث كانت في السابعة عشرة، حيث قضت القسم الكبير من سنوات منفاها بين ١٩١٨ و.١٩٣٩

المأساوية

ولدت مارينا تسفيتاييفا العام ١٨٩٢ في عائلة مثقفة موسكوبية، كان والدها أستاذا لتاريخ الفن في جامعة موسكو (وفي رواية أخرى، كان كاهنا أرثوذكسيا)، وتميّزت عن باقي أفراد هذه الأسرة، بنضج موهبتها الشعرية، إذ بدأت الكتابة وهي في السادسة من عمرها، ونشرت ديوانها الأول، وهي في السادسة عشرة. عرف عنها، ثورتها على التقاليد الامتثالية، فعاشرت في الثامنة عشرة، فتاة سحاقية شهيرة، ولتزيد في كيد أهلها ولتصدمهم، وبخاصة أنها ابنة أرثوذكسي معاد لليهود، تزوجت من حفيد أحد الحاخامات. كذلك دفعها ميلها، الذي لا يكل، للتحدي، إلى “عبادة” نابليون، كما قادها هذا الأمر إلى معارضة عنيفة، شغوفة لثورة أكتوبر، غنّت الجيش الأبيض “في قفزة بائسة ضد التاريخ وضد الحياة”. ومع ذلك، فإن منشورات الدولة في تلك الفترة، نشرت لها كتابين.

في العام ،١٩٢٢ هاجرت مع ابنتها لتلتحق بزوجها الذي كان ضابطا سابقا في الجيش الأبيض، فعاشت في برلين ومن ثم براغ، وفرنسا أخيراً، لكن سرعان ما تدهورت علاقتها بالمهاجرين البيض، حتى انقطعت كليا. عاشت في بؤس كليّ، وانشغلت كثيراً بالجوانب المادية للوجود. وقد كتبت الكثير لكنها لم تنشر إلا القليل. ولم ينشر لها المهاجرون البيض أي كتاب بعد العام ،١٩٢٨ وتحت وطأة الحاجة، أصبح زوجها مخبرا للمخابرات السوفياتية، واحترز منها، المهاجرون، زيادة. وحين عادت إلى وطنها، العام ،١٩٤٠ بعد “حرب الجلاء” النازي، بقيت أيضا، موضع اشتباه من قبل السوفيات. ومع صعود الفاشية، كتبت سلسلة من الأشعار أهدتها إلى تشيكوسلوفاكيا، تهاجم فيها الهتلرية بقوة. قتل زوجها رميا بالرصاص، نفيت ابنتها، فوجدت نفسها وحيدة، معوزة، رازحه تحت اليأس المطلق، وتحت الألم والحرمان، فانتحرت في ٣١ أغسطس ١٩٤١.

الإخلاص للفن الشعري

نحن أيضا أمام يوميات ودفاتر عمل وانطباعات تسجلها الشاعرة خلال القراءة وأمام تأريخ كرونولوجي لكل يوم بيومه. وبين ذلك كله نحن أمام شيء أكيد: تشكل هذه المقاطع الهاربة والآسرة مكانا يلتقي فيه النثري والعادي مع الماورائي. أي تبقى الشاعرة في نصوصها هذه مخلصة لفنها الشعري حيث تربط الواقع بسحر وعيها في حوار داخلي تقيمه مع نفسها ليصبح أيضا، وفي مرحلة لاحقة، حوارا بين الأنا والعالم.

دفاتر تسفيتاييفا هذه، كانت بدأت كتابتها قبل الحرب العالمية الأولى، وتنتهي عشية الحرب العالمية الثانية. إنها تمرين في القسوة يضع أمامنا مفاتيح أسرار الشاعرة من خلال فتح المشهد على التاريخ وإن كان ذلك لا يمنعها من التقدم في هذه العوالم الحميمة التي اكتشفها قارئ شعرها ونثرها. في مواجهتها الدائمة مع الكلمة، في همها المستمر في أن تهب الأبدية لهذه الأشياء الصغيرة، تقف الشاعرة في هذا الفاصل لتسمع لا ضجة الدمار الذي كان يلف وطنها اولا والعالم فيما بعد ولكن أيضا كانت تسمع هذا الهمس الحميمي للأشياء التي كانت تبحث عن أسماء جديدة لها.

وما يميز هذه الطبعة الفرنسية من دفاتر تسفيتاييفا، الملف الخاص الذي يسترجع فيه المشرفون على الكتاب، الكتابات والأحاديث والمقالات التي كتبت عن الشاعرة الراحلة وذلك بعد الحصول عليها من أرشيف الدولة الروسية للفن والأدب، ما يعطينا، إضافة العديد من الوثائق التي تضيء هذه الكتابات.

أما الكتاب الثاني فهو كان نشر في موسكو العام ،١٩٨٨ ويجيء كوثيقة كبيرة عن حياة الشاعرة بقلم ابنتها التي عاشت بقربها لفترة طويلة. كانت أريادنا ابفرون قد بدأت منذ العام ١٩٥٥ في تجميع كل الوثائق المتعلقة بوالدتها، لتدرس وتنقب وتفحص كل المخطوطات الباقية. من هنا، يبدو كتابها وكأنه “معركة” ما من أجل إنقاذ هذه الذاكرة ومدى تقاطعها مع التاريخين العام والخاص. يقال إن الكتاب حين صدر في الاتحاد السوفياتي (قبل أن يختفي) كان يحمل في طياته بعض الرسائل المتبادلة بين الشاعرة وشعراء آخرين، كما كان يحمل بعض الملاحظات التي كتبتها المؤلفة. في الترجمة الفرنسية لا أثر لذلك، فقط يترجم الكتاب الذي عرف يوم صدوره نجاحا كبيرا حيث طبع لمرات عدة، إذ أنه في النهاية المرجع الأكثر تكاملا عن حياة الشاعرة.

مارينا تسفيتاييفا، شاعرة القدر المأساوي، التي عرفت وبالرغم من كل الاضطهاد التي تعرضت له كيف تبقي كلمتها نقية، ساطعة. على الأقل هذا ما تخبرنا به الدفاتر التي نترجم بعض الفقرات منها. ملاحظة أخيرة، إن الترقيم التي تحمله هذه المقاطع غير موجود في الأصل، بل هو من وضع المترجم هنا.

 

من دفاتر تسفيتاييفا

 

لا يعرف الناس كم تشكل الكلمات بالنسبة إليّ قيمة لا متناهية. (أكثر من المال، لأنه يمكن لنا أن نعبر عن العرفان بالجميل بسهولة أكبر!)

نهاري: أنهض -النافذة بالأعلى بالكاد بيضاء -برد -برك مياه -غبار نثارة -دلاء -جرار -مماسح -أثواب الأطفال وقمصانهم في كل مكان. أنشر الخشب. أشعل النار. أغسل بمياه مثلجة حبات البطاطا التي أضعها لتغلي في مياه السماور. أضع تحت السماور الحطب المشتعل لأعود وأضع فوقها المقلاة. (أرتدي نهارا ومساء ثوب البزان البني عينه الذي خاطته لي آسيا في ربيع العام ،١٩١٧ في ألكسندروف، والذي ضاق، ذات يوم، بشكل فظيع. أصبح مثقوبا من جميع الجهات بسبب الجمرات والسجائر التي تتساقط عليه. أما أكمامه -التي كانت، في ما مضى، مشدودة بالمطاط – فقد صارت مشمرة كبوق ومثبتة بدبوس أمان).

من ثم يبدأ العمل المنزلي -“أليا، أخرجي الدلو!” لكن قبل أن أضيف أي شيء سأقول كلمتين عن الدلو -إنه يشكل الشخصية المحورية في حياتي. في قلب الدلو أضع السماور، إذ حين نغلي البطاطا نجده يرشح من حوله. في الدلو، تمتزج المياه المنزلية -لقد تجمدت مياه الأقنية -لذلك، وبعنايتي، أفرغ الدلو ليلا تحت نافذتي. إذ من دونه -الموت.

لم أبحث عن قصائدي أبدا. إنها قصائدي التي تبحث عني.

أضف إلى ذلك، تبدو غزارتها فائضة لدرجة أنني لم أعد أعرف ماذا أكتب، أو ماذا أهمل.

من هنا تجدون مليار بيت غير مكتمل، غير مدون.

يحدث لي أحيانا أن أكتب بهذه الطريقة: أبياتا على يمين الصفحة، وأخرى إلى اليسار، في مكان ما من زاوية -بيتا آخر، تطير اليد من مكان إلى آخر، تطير فوق الصفحة بأسرها، تنتزع بيتا، ترتمي على آخر كي لا تنسى! تلتقطه! تحتفظ به! الوقت غير ملائم -ينقصني يدان!”

(2)

إيرينا! لو كنت ما زلت على قيد الحياة، لكنت أطعمتك من الصباح حتى المساء. قليلا ما نأكل أليا وأنا! إيرينا ثمة شيء تعرفينه: لم أرسلك إلى الميتم لأتخلص منك، بل لأنهم وعدوني بأنك ستجدين هناك الأَرُز والشوكولا.

أي أفضل من أن تموتي جوعا.

للمرة المليون، أنا متفاجئة بالصمت، الذي تكتمل عبره أكبر الأحداث -ببساطتها أيضا. لا من رعد، أو برق، أو “تم الأمر”. لكن ببساطة: قارورة علاج، فوطة هملة قديمة، نتحدث عن المطر والثلج -نأكل، ندخن -وفجأة: يتوقف تنفس الكائن. من دون أن نصرخ حذار!

لن أعرف أبدا كيف ماتت.

تملكون جميعا: الوظيفة -البقول -المعارض -اتحاد الكتاب -تعيشون أيضا خارج أرواحكم، بينما الأمر بالنسبة إليّ، ذلك كله: وظيفة -بقول -معارض -اتحاد الكتاب -أنا نفسي دائما، روحي، حبي، أن أكون مرفوضة، حزني الذي يتأجج، ألمي المخيف من كل شيء!

إذاك -وبشكل طبيعي -أعود إلى منزلي، إلى نفسي، هنا حيث لا أحد يناقشني، هنا حيث لا أحد يرفضني، في منزلي الفقير المدمر، حيث -وبالرغم من كل شيء يحبونني.

ليس ذنبي إن كان ذلك كله يفضي إلى كتابة قصائد”.

(3)

التاسعة صباحا أ كما يبدو، سنكون قريبا في موسكو.

شجرة بندق.

توقفنا عند الجمارك طويلا. أفرغت كل الحقائب. فتشت جميع الأشياء المتراكمة فوق بعضها، المضغوطة كفلينة شمبانيا مستعدة لأن تطير. ١٣ رزمة من بينها سلة كبيرة، كيسان ضخمان، سلة كتب، مرصوصة جيدا. شهدت رسوم “مور” نجاحا حقيقيا . صودرت من دون ديباجة، بدون احتفال او شروحات. (لحسن الحظ أن المخطوطات لا تثير الإعجاب عينه!) لم يطرح ولو سؤال واحد عن المخطوطات. بل أسئلة عن السيدة لافارج، عن السيدة كوري وعن كتاب بيرل باك “المنفية”. آمر الجمارك كان شخصا كريها، باردا، بدون مرح، أما الآخرون فطيبو القلب. كنت أمزح وفي الوقت عينه كنت على عجلة: لم أنجح في إعادة إقفال حقائبي، وكان القطار ينتظر. ساعدني مأمور بقوة بينما أنهى آخر القضية حين أعلن بأنه تم فحص الحقيبة الأخيرة (السوداء الكبيرة): لم يفعل ذلك في واقع الأمر، والجميع على دراية بذلك.

حين استيقظت هذا الصباح، فكرت بأن سنواتي أصبحت معدودة

وداعا أيها الحقل / وداعا يا مغيب الشمس / وداعا يا / أرضي، أرضي أنا!

سيكون الأمر محزنا. ليس بالنسبة إلى فقط. بل لئلا أحد أحب -مثلي -ذلك كله”.

Share this post