woodstock (1)

مارتن سكورسيزي يحكي عن مهرجان WoodStock

نٌشر في 5 يوليو 2009، The Sunday Times/UK

ترجمة التحفجية

كان منظوري عن وودستوك.. محدودا، إلى أي مدى؟ حسنا، أمضيت أغلب تلك العطلة الطويلة في أغسطس 1969 عالقا في منصة بعرض 9 أقدام، يمين المسرح تماما، بجوار مجموعة من مكبرات الصوت، صابا كل تركيزي على العازفين وأدائهم.

كنت أحد “مونتيرين” فيلم وودستوك، وكان دوري هو المتابعة الحية للحدث واللقطات المختلفة لتساعدنا حين نبدأ المونتاج.

كنا نعمل مع 7 مصورين لتغطية كل فقرة، وكنت أحاول لفت انتباههم لما قد يغفلونه بسبب التصاق أعينهم بعدسة الكاميرا، محاولا قدر المستطاع – وهو الشىء الذي تم بنجاح برغم كل الصعوبات- الإبقاء على تواصلي معهم.

من آن لآخر، كانت تظهر بعض الصعوبات، مثل محاولاتي للبقاء معتدلا في هذه المساحة الضيقة المكتظة بالجماهير. كنا نعتمد على أحدنا الآخر في الحفاظ على سلامتنا، لو دفعني أحدهم لسقطت فورا من على المنصة، ولكن هذا لم يحدث.

لم يكن هناك وسيلة للحصول على الطعام أو الذهاب لدورة المياه، ولعل أفضل ساندويتش برجر تناولته آنذاك هو ما قدمّه لنا على سبيل المجاملة مخرج الأفلام الوثائقية آرثر بارون ، والذي تمكن – بشكل ما- من إرساله لنا أثناء عرض مساء الجمعة.

تقريبا لم أر الجمهور قط، كان كل تركيزي منصبا على ما يحدث على المسرح، كان مجرد كيان هائج متقلب خلفنا.

من آن لآخر، كنت أرى لمحة للمخرج مايكل وادلي معدلا عدسته، محركا سماعة الراديو المحمول في محاولة للبقاء على اتصال بباقي المصورين. كنا نحاول الحصول على أي شىء، وبداخلنا، كان يقينا – طفوليا بعض الشىء- بأننا سنعود لنيويورك بمحتوى جيد، 

cr

نرجع إلى حيث بدأت المغامرة. كنت قد قابلت “وادلي” من قبل في أكاديمية السينما بنيويورك، وصورنا معا مادة 16 مم – أبيض وأسود فيلمي الأول “Who’s That Knocking at My Door?”.

 

في أواخر الستينات، كانت مجموعة منا تتقاسم غرف المونتاج في غرب شارع 86، مانهاتن. كنت أعمل على فيلمي وكان جيم مكبيرد في الغرفة المجاورة يقوم بمونتاج “David Holzman’s Diary”، وكان وادلي و ثيلما شونميكر –والتي أصبحت “المونتيرة” الخاصة بي فيما بعد- يعملون على عدة أفلام وثائقية. كنا جميعا  -بالطبع- نتشارك شغفا لصناعة الأفلام،  ولكنني ووادلي بشكل خاص كنا نقتسم شغفا بموسيقى الروك. كنت حينها –ومازلت- مؤمنا أنها تؤثر في حياة الكثيرين، وكانت إيقاعاتها الصاخبة تشكل خلفية أيامنا.

كنت ووادلي نشعر بالكثير من الحنين لروّاد الروك في الخمسينات، فاتس دومينو، ليتل ريتشارد، جيري لي لويس، وتشاك بيري.. الذين لم تعد أعمالهم تعرض كثيرا. فكرنا في تنظيم حفل لعرض أعمالهم وتصويرها، ثم بدأنا نسمع شائعات عن حفل وودستوك، وسرعان ما بدا واضحا أنه سيكون على الأرجح أكبر تجمع تم تنظيمه على الإطلاق، ليضم أكثر مطربي الروك شعبية.

ws

وادلي.. سكروسيزي وثيلما

لذا قرر وادلي أن يسافر شمالا ليرى إذا ما كان هذا هو ما نبحث عنه، وسرعان ما اتصل بنا ليخبرنا أن هذه الحفلات يجب أن تكون موضوع فيلمنا القادم.

وعلى الرغم من شغفنا المشترك بالموسيقى، لم يكن أيا منا -باستثناء مكبيرد- من من يمكن تصنيفهم كـ”هــيــبــيــز”، بالرغم من لحية وادلي التي أطلقها قبل ذهابه لوودستوك. عندما رأيت وادلي للمرة الأولى بدا كـ”جـنـتـل مان” حقيقي، شاب مهندم حليق، ويبدو محترما من الغرب الأوسط، أزرار قميصه مغلقة بالكامل، وكنت أنا بصدد اقتناء سروالي الجينز الأول. كنت أبدو كمن يمكنكم وصفه بخريج مدرسة تافه، وقد منعني الربو من كل خيرات الطبيعة تقريبا، ومع ذلك، هناك كنا، جائعين ومرهقين ونعاني من حقيقة أن فيلمنا لم يكن على رأس أولويات مروجي مهرجان وودستوك.

كان لديهم مشاكل أكثر ضغطا للتعامل معها، لا أعرف على وجه الدقة الأعداد التي توقعوا حضورها، ولكن بالتأكيد ليس نصف مليون شخص!

كانوا غارقين في كل شيء، كميات الطعام واستعدادات النظافة والفريق الطبي، حتى بعض أبراج الإضاءة  أوشكت على السقوط أثناء الحفل، وتحولت الأرض لبركة وحل كبيرة.

max-yasgur_woodstock1

Max Yasgur صاحب موقع وودستوك.. ومارتن سكورسيزي يرد عليه تحية السلام

لا عجب أن اتجه هذا الكم من البشر لوودستوك، فقد كانت فرصة ذهبية للاستماع لهذا العدد من كبار الموسيقيين في مكان واحد ولفترة قصيرة، ربما كان اللغز الحقيقي كيف ظل وودستوك على مدى 3 أيام تجمعا سلميا؟ أعني أنه كان من المحتمل أن تسوء الأمور في أى لحظة. كنت ألتفت للوراء أحيانا وأتساءل، ماذا لو حدث شىء ما؟ ماذا لو لم تعمل المخدرات التي تداولتها الجماهير كما ينبغي؟ وماذا لو عملت أفضل مما ينبغي وقرر الجميع صب غضبه على المسرح؟

ربما يبالغ الناس اليوم في نظرتهم العاطفية لروح وودستوك، ولكنني أؤمن أنها كانت تحتوى جميع العناصر الخاملة، والتي كانت تكفي لصنع شىء أكثر رعبا.

أعتقد أنه ما ساعد بشكل كبير- وساعدني بشكل شخصي – أنه بمجرد انتهاء حفل مساء الجمعه، أدرك الجميع أننا لا نشارك في حفل روك، نحن نشارك في حدث تاريخي حقيقي.

بحلول مساء السبت، ودعني استعير الكليشيه “كان العالم كله يشاهد” ، كانت وودستوك تغطي شاشات التليفزيون والصحف، ربما كان الكثير من الحضور يحاولون توضيح الفارق بين هذا الجمع السلمي، وبين غوغائية المؤتمر الوطني الديموقراطي الذي سبق المهرجان بعام.

أما عنّا كسينيمائيين، لم تكن تجربتنا آمنة بلا مشاكل، أجل وافق جون كالي، فرد في إدارة وورنر بروس، على تغطية نفقات إيجار كاميرات الفيلم وثائقي ومعداته، المبلغ الذي قدّره لاحقا بحوالي 15 ألف دولار، ووصفه بـ” ثمن وجبة عشاء في فيجاس”، كما يتذكر أنه كان يفكر في حال فشل مشروعنا أنه سيستطيع استعادة مبلغه المتواضع بسهولة عبر بيع ما صوّرناه كمادة لأفلام وثائقية أخرى، لكن تمويل المشروع إلى نهايته لم يكن مضمونا.

أذكر منتجنا بوب موريس، وهاتفه على أذنه والموسيقى تهدر من خلفه، يخبر الناس أن الأمر يتخذ شكل حدث تاريخي ومن الحمق عدم المشاركة فيه، كما أتذكر ثيلما عالقة بالقرب من إحدى وحدات الإضاءة، تتملق تشيب مونك – أحد كبار مصممي إضاءة الحفل- حينا وتصرخ فيه حينا، ليركز المزيد من الضوء على المسرح، لنتمكن من التقاط صورا أفضل للمؤديين.

كان “تشيب” عملاق إضاءة حفلات الروك، ولم يكن مستعدا لإفساد مؤثراته الضوئية المحسوبة بدقة من أجل مجموعة من صغار صانعي السينما.

لهذا كان فيلم وودستوك، على عدة أصعدة، رهان كبير، كما كان الحال مع مثل تلك الأعمال، ولكنه كان كذلك بشكل خاص في تلك الأيام التي لم يكن لحفلات الروك فيها نفس الرواج الذي تلقاه الآن.

كان هناك اتجاها -بالذات من وادلي- لاستخدام تقنية تقسيم الشاشة في هذا الفيلم، كان هناك حسا عاما من التزامن في وودستوك، ثمة الكثير مما يجري في نفس الوقت.

استأجرنا ساحة عرض واسعة بالقرب من غرب طريق 86، لنعرض على جدرانها ما التقطه أكثر من 6 عدسات في وودستوك، كان هناك شيئا مثيرا للغاية في عرض كل هذا في وقت واحد، وهو ما أصبح السمة الأساسية للفيلم فيما بعد.

scr

الأهم من هذا أن تقسيم مساحة الشاشة بين المؤديين والجمهور على حد سواء، مكّن وادلي من إعادة إحياء تجربة الحفل من جديد لجمهور الفيلم. ما كان ليتمكن من فعل هذا مطلقا بفيلم أحادي المنظور.

كان لدينا مادة تكفي لصنع فيلم مدته 7 ساعات، ربما لهذا تغير شكل عرض وودستوك عبر معالجاته المتعددة، ودون خيانة روحه الأصلية.

لكن شيئا أكثر أهمية حدث في الـ40 سنة الأخيرة، أعتقد أنه بدون الفيلم، ما كان الحفل ليصبح أكثر من هامش للتاريخ الاجتماعي والثقافي للستينات، ممثلا في صورة جامدة تراها في كتاب مصور، أو جملة أو اثنتين في كتب التاريخ.

ما فعله الفيلم ومازال يفعله، هو استخلاص تجربة وودستوك، والأهم، إبقائها حية متحركة، صار الهامش علامة في التاريخ، ليتذكر جيلنا من كنا آنذاك وكم قطعنا على الطريق. والأهم، أصبح وسيلة  للأجيال الجديدة لتلمس الروح الفوضوية للستينات، أو لنقل، جزءّ منها، الجزء الأكثر سعادة.

woodstock1

Share this post