Micheal_16_jpg_200_-1

مفهوم القصيدة الحديثة

كتب: يوسف الخال

يبدأ الشاعر الخلق بدافع غامض، بشيء ما غير واضح يريد أن يقوله. وحين ينتهي، ويصير ما انتهى إليه قصيدة، يجد- إذا كان شاعرا أصيلا- أن لا صلة بين ما أراد أن يقوله وبين ما قاله في هذه القصيدة.

فلو قدر الشاعر أن يحيط تماما بما في نفسه، لاستغنى عن التعبير عنه بقصيدة. فالقصيدة هي وحدها حقيقة ما كان في نفسه عند البدء بكتابتها. ومن يعرف ماذا يريد أن يقول، فيقوله هو ذاته بقصيدة، لا يكون شاعرا ولا يمكن أن يكون.

 

من الشعراء من يظن أن في قدرته أن يخبرنا بما يجول في خاطره، فيعمد أحيانا إلى تدوينه نثرا على ورقة، أو في رسالة إلى صديق. ولكنه ما إن ينتهي من قصيدته حتى يجد أن ظنه خاب، لأن ما اخبرنا به شيء وما أخبرتنا به القصيدة شيء آخر.

 

ذلك أن القصيدة، وهي خليقة فنية- جمالية، لا توجد بمعزل عن مبناها الأخير. فما هي معنى محض ولا هي مبنى محض، بل معنى ومبنى معا.

 

ويصطدم الشاعر في عملية الخلق الشعري بتحديين: الأول هو حدود اللغة، أي قواعدها وأصولها التي لا يمكنه تجاهلها إذا شاء أن يكون لعمله معنى لقراء هذه اللغة ووجود في تراثها الأدبي. والثاني هو أساليب التعبير الشعري المتوارث والمتبع في التراث الأدبي، وهي أساليب راسخة في الأذهان وفي الذوق العام، بحيث يؤدي الخروج عليها، بغير أناة ومهارة وفهم، إلى إفراغ القصيدة من حضورها لدى القراء.

 

غير أن هذين التحديين- القيدين: قواعد اللغة وأصولها، والأساليب الشعرية المتوارثة في تاريخ هذه اللغة الأدبي، هما اللذان يمتحنان أصالة الشاعر وموهبته الإبداعية. فإن هو خضع لهما تمام الخضوع خرجت قصيدته مبذولة جامدة آلية، وإن تمرد عليهما تمام التمرد خرجت قصيدته هذرا لا حضور له. أما الصحيح فهو أ يعترف الشاعر الأصيل الموهوب بقواعد لغته وأصولها، وبمبادئ الأساليب الشعرية المتأثرة بهذه اللغة والمتوارثة في تاريخها الأدبي، وفي الوقت ذاته يأخذ لنفسه قدرا كافيا من الحرية لتطويع هذه القواعد والأساليب ونفخ شخصيته فيها.

 

وفي هذا يهتدي الشاعر بملكة “الشعور” (القوية عند الشاعر الأصيل الموهوب) بما هو خطأ أو صواب في هذا التعبير أو ذاك. فملكة “الشعور” لا ملكة العقل، هي التي تسدد خطى الشاعر خلال عملية الخلق في اختيار الألفاظ والصيغ التعبيرية الملائمة، وهي التي تنبهه في حال تجاوزه حدود حريته في التطويع، لئلا تنكسر الأداة فلا تصلح صلة بينه وبين الآخرين. فما نفع القصيدة، بل أي كلام، لولا هذه الصلة؟ أي لولا حاجة الشاعر الجوهرية إلى الاتحاد بالآخرين.

 

وعلى الشاعر، إذن أن يقنع بربح القليل هنا، وخسارة القليل هناك- أي أن يساوم- في صراعه مع تقاليد اللغة والأسلوب. فاللغة نظام يعتمد، ككل نظام، على بعض القواعد والأصول التي لا غنى عنها.

 

وإخضاع المعنى العفوي الغامض الخام لهذه القواعد والأصول أمر محتم لتوضيح ماهيته. وهذا يصح كذلك على الأسلوب. فالأسلوب، هو الآخر، نظام قائم على بعض الأسس المحتمة، وإخضاع المبنى له يفصل الشعر عن بقية أنواع الكلام، مع العلم أن الأسلوب هو في الواقع قوالب مصطنعة تحتضن القصيدة وتعزلها مؤقتا عن الحياة، لتتيح لشاعر أن يخلق لها حياة خاصة بها. وفي حين أن بعض التمسك بقواعد اللغة وأصولها متطلب من جميع أنواع الكلام، فإن التمسك أيضا، ولو جزئيا، بأحكام الأسلوب الشعري المتوارث هو الذي يجعل الكلام شعرا، بل هو الذي يحول التمسك بقواعد اللغة وأصولها إلى شيء يتيح للشعر على يد الشاعر المبدع أن يصبح أكثر من مجرد تعبير مألوف.

 

هكذا نرى أن ما دفع الشاعر إلى الخلق يجب أن يجتاز عملية صراعية مع اللغة والأسلوب قبل أن يخرج إلى حيز الوجود شعرا سويا لا كلام فلسفة أو علم. وعلى الشاعر في هذا الصراع أن يخرج سيدا منتصرا على حدود اللغة والأسلوب المتوارث معا. وكلما احتدم الصراع نمت الفكرة البدائية الغامضة في الدقة والعمق، وعظم الانتصار. نكرر: أن الشاعر، وهو في عملية الخلق، يكتشف ما دفعه إلى الخلق. وهو مع كل خطوة يحل مشكلة ليجابه أخرى في ما يكتشفه من خليقته، فلا ينتهي من القصيدة إلا بعد أن يدرك تمام الإدراك ما كان يحبل به عند البدء بها. وبقدر ما يكون الشاعر أصيلا، يكون علمه بأن ما كانت عليه فكرته عند البدء هي غير ما صارت إليه عند الانتهاء. أين، إذن فردية الشاعر وفرادة عمله، إذا كان رازحا بهذا القدر تحت عبئين آليين خارجيين: اللغة والأسلوب؟

 

 

الجواب هو أن فردية الشاعر وفرادة عمله ممكنتان، بل إنهما لا توجدان، إلا من ضمن هذين العبئين. فحين نقول بالفردية والفرادة، إنما نقول ذلك بالقياس إلى شيء آخر، وهذا الشيء هو الموجود والمسبوق إليه: اللغة وكذلك الطريقة. فما في قدرة كل شاعر أن ينشئ لغة جديدة في التعبير الفني بهذه اللغة، ولكن في قدرته- وبهذا يمتحن- أن يتناول اللغة الكائنة والطريقة المتوارثة ويرغمهما على التفاعل- كمبنى- مع المعنى الفردي والفريد الذي جاءت به تجربته. فالأصول عامة، وأما الفروع وثمار هذه الفروع فهي الفردية والفرادة.

 

 

فالتمرد لا يكون في العرض والشكل، بل في الجوهر والكنه أو لا يكون. والمتمرد الحقيقي، حين يستهدف اللغة والطريقة، يستهدف اكتشاف الألفاظ والمبنى المطلق الذي يجب أن تتخذه هذه القصيدة ذاتها. فهو يقسو على الشيء لا لإزالته، بل لتمجيده. وهو في ما يتعلق باللغة ينزل بها الأذى ليعززها ويقويها ويمتحن قدرتها الفائقة على التعبير. وكذلك الأمر في ما يتعلق بالأسلوب.

 

إذن، فكل قصيدة ناجحة لا تكون إضافة على التراث الشعري فقط. بل تغيير لغوي وشعري لهذا التراث.

 

– 2 –

القيم إما مخلوقة أو مكتشفة، جيدة أو رديئة. والقيم المخلوقة، كالقصيدة مثلا، تتميز عن التجربة التي أدت إلى خلقها. وهي لا تخضع للحكم الموضوعي، بل لحكم مزيج من الموضوعية والذاتية. فحين نتناول العمل الفني، نتناوله من ناحيتين: الناحية الموضوعية، أي من حيث هو عمل فني خاضع لشروط العمل الفني، والناحية الذاتية، أي من حيث كونه يروق أو لا يروق لنا.

 

 

فما هي شروط العمل الفني؟ أو على الأخص، ما هي شروط القصيدة عندما تنتقل من الصيرورة إلى الكينونة؟

 

 

من كلامنا على عملية الخلق الشعري، تبين لنا أن القصيدة خليقة عضوية. لذلك فهي لا تستند في قيمتها إلا إلى النظام الشكلي الذي هو إياها. فتجربة الشاعر، أي معنى القصيدة، هو فعل إنشاء القصيدة. وإذا صح هذا القول، وهو صحيح، فإن الزعم بأن القارئ يشارك الشاعر في التجربة- القصيدة، زعم باطل. وكذلك الزعم بإمكان ترجمة القصيدة إلى لغة أخرى من دون أن تفقد كثيرا من وجودها، أو بإمكان تحليل محتواها أو سرده نثرا من دون أن تفقد كثيرا من هذا المحتوى.

 

 

والقصيدة كذلك بناء موضوعي ذو معنى ينعم بوجود خاص به. وهذا البناء يتميز بالتضمين وتلاقي الأضداد والتلميح. فبالتضمين تكتسب القصيدة الجدة والطرافة وتعالج القضايا في ضوء تعقيداتها الحقيقية، وبتلاقي الأضداد تكتسب القصيدة التوتر والزخم وترتفع عن مساق الكلام العادي، وبالتلميح تكتسب القصيدة الضبابية والسرية اللتين تثيران في القارئ حب الاستطلاع والتشوق والتحدي والمغامرة في المجهول.

 

 

وحجارة هذا البناء الموضوعي الألفاظ، إلا أن الألفاظ في الشعر تومئ إلى ما وراء المعاني، فتضاف إليها أبعاد جديدة. وبذاك تتجدد وتحيا، وبغير ذلك تذبل وتموت. ولذلك كان الشعر ماء حياة اللغة، وكانت اللغة في معنى الشعر لا في مبناه فقط.

 

 

هذه الألفاظ تتركب في البناء الشعري على غير ما تتركب في النثر، بل إن الشعر من شأنه أن يمنع الألفاظ من أن تتصرف تصرفها في النثر، أي أن تفرغ معانيها مباشرة بلزوم جانب الوضوح والخلو من التكثف والتعقيد. ولذلك كانت العبارة الشعرية هي العبارة التي تتجنب تقرير حقيقة مجردة في الذهن.

 

 

ثم أن النظر إلى القصيدة، كبناء عضوي وموضوعي، يفرض كونها كيانا مستقلا ذا قيمة جمالية وحضور فريد. وهذا يعني أنها تعلن عن نفسها أنها فوق المقارنة مع ما سبقها من الآثار الشعرية، وأنها فوق متناول شرح الناقد. فهي بهذا منفصلة عن التاريخ الأدبي، فضلا عن النقد الأدبي. ولكن بإمكان القارئ (والناقد) أن يعيد خلق القصيدة لنفسه، وأن يدخل حرمها عن طريق النقص الذي لا بد من أن تشكو منه كل قصيدة. فليس من عمل فني كامل تمام الكمال، ولذلك يخشى دائما أبدا على القصيدة من أن تصبح ضحية الشرح والتشريح، فتتهدد حصانة كونها تعبيرا متميزا عن سواه من التعابير. فما القصيدة واقعة حال، أو سرد للهموم العاطفية، أو نظم للأفكار مباشرة أو مداورة. ذلك لأنها لا تكون كل التجربة التي عاناها الشاعر، بل أقل ما يصلح منها جماليا لتكوين القصيدة. وهذا يفسر معنى أن القصيدة في نموها العضوي خلال عملية الخلق تقبض على الجانب الأعمق من التجربة دون سائر الجوانب، أو بتعبير آخر تبلور التجربة وتصفيها في خلاصة ذات محور واحد تتفرع منه جوانب القصيدة وأبعادها. فمن معايب القصيدة العربية، قديمها وحديثها، أن لها محاور عديدة تتفرع فيها جوانب وأبعاد عديدة، بحيث تفقد عضويتها وموضوعيتها وتصير بضع قصائد زائفة في قصيدة واحدة أشد زيفا. ومرد هذه المعايب إلى أن الشاعر العربي حتى هذا التاريخ ورغم نشوء نهضة تدعو إلى المفهوم الحديث للشعر، ما يزال يهبط من فوق، من الكلي والشامل، وهذا من شأن العقل الفلسفي والعلمي، إلى الجزئي والخاص، وهما من شأن المخيلة الفنية والشعرية. فلا عجب أن يكون شعرنا العربي تعبيرا مباشرا عن الخوارق والآراء والأفكار، وبناء فنيا ننفذ منه إلى هذه جميعا. ولا بد من القول هنا باختصار أن هذه النقيصة في شعرنا العربي وجدت ما يخفف من شرها في كون القصيدة العربية القديمة لا وجود لها، وإنما الوجود كله للبيت الواحد. فإذا اعتبرناه هو القصيدة بمعناها الحديث، عثرنا فيه على كثير من خصائصها، كوجود هذا المحور الذي تحدثنا عنه. ومن أسف أن معظم الذين تعلقوا بقطار النهضة الشعرية العربية الأخيرة، حطموا عضوية البيت العربي الذي هو القصيدة (أو نواتها) في المفهوم الحديث، من دون أن يتوفقوا إلى خلق القصيدة العربية بمفهومنا هذا. ولعل هذه القضية هي من أعوص هموم المعنيين بنهضة الشعر العربي اليوم. ولا بد، يوما ما، من محاولة اختيار النماذج القليلة الناجحة في الشعر العربي الحديث ونشرها على حدة.

 

 

يجابه الشعر الحياة بكامل وجودها، وبذلك يعطينا نوعا من المعرفة يعجز عنه العلم أو الفلسفة- أعني تلك المعرفة التي لا تتعالى ولا تتجرد من عالم الخبرة المحسوس. فهو يصفي خبرتنا ويبلورها ويجعل متشابكاتها أكثر معنى في الشعر منها في الحياة، حتى ليمكن القول أن الشعر يساوي الحياة مع “شيء آخر”. هذا “الشيء الآخر” ينفرد الشعر بإعطائه، وهو الجزئي صار بالكلمة كليا وحل بيننا. فالعلم والفلسفة يجردان الخبرة في نظريات كلية مستندة إلى منطق العقل.

 

 

وهما، حين يعبران عن هذه النظريات بالكلمة، إنما يتوسلانها كأداة. أما الشعر فلا يجرد الخبرة بل ينظمها في دفقها وانسيابها الأول استنادا لا إلى منطق العقل، بل إلى عفوية الكلمة المتعددة الوجود فيعطيها شكلا ويرفعها إلى مصاف الرؤيا.

 

وينمو مبنى القصيدة الخارجي، كما قلنا، مع نمو المعنى، أي يتطور إلى التكون بتطور المعنى. ولذلك كان المبنى الخارجي والمعنى الداخلي واحدا- بمعنى ولادتهما في عملية الخلق معا. وهذا ما عناه كوليردج حين قال: “كما تكون الحياة، كذلك يكون المبنى”.

 

ولذلك تتنوع المباني الشعرية بتنوع معانيها، وهو أمر فريد ينطوي على تكيف معين للغرض الخاص بكل قصيدة. وهي فرادة يحققها الشاعر بتطويع، لا بتهديم، الأساليب اللغوية العادية المألوفة في التراث الأدبي. ويحدث هذا التطويع من دون أن يظهر في القصيدة الناجحة، بل من دون أن يعلق نفسه للشاعر إلا بعد حدوثه.

 

-3-

والآن هل للشعر مهمة، وما هي؟ أهي أخلاقية، أم اجتماعية، أم سياسية، أم دينية؟ وبتعبير آخر، هل مهمة الشعر المعرفة؟.

 

 

هنالك في تاريخ نقد الشعر أربعة مواقف رئيسية معروفة. أولها الموقف الأفلاطوني الذي يزعم أن الشاعر، بصدد الحقائق الكلية، كاذب. فهو، كمحاك للمحاكاة الأرضية لهذه الحقائق، بعيد عنها. وهو يعني بإثارة العواطف الحماسية عند الناس، فلا يرتبط بمسؤولية إزاء أية حقيقة قد يعرفها. وإذا كان للشعر مهمة فهي يجب أن تكون الكشف عن الحقيقة ونقلها. وبما أن الشعر عاجز عن ذلك، اقتضى إنزال اللعنة به وطرده من “الجمهورية”.

 

 

والموقف الثاني يوافق أفلاطون على أن مهمة الشعر يجب أن تكون المعرفة، إلا أنه، بخلاف أفلاطون وأتباعه، يدعي أن الشعر قادر على أداء هذه المهمة. فما الشعر أفضل من التاريخ فقط، كما يقول أرسطو، بل هو أفضل من الفلسفة أيضا. فالتاريخ لا يصف إلا الجزئيات، ولا يعطينا الحقائق الكلية أو يعلمنا كيف نتصرف. أما الفلسفة فتعطينا هذه الحقائق وتعلمنا كيفية التصرف، غير أن تعابيرها من التعميم بحيث نعجز عن تطبيق حقائقها ومدركاتها على مسألة ما بعينها. وأما الشعر فيمتاز على التاريخ بأنه يخبرنا كيف يجب أن تكون الحياة، ويمتاز على الفلسفة بأنه يعطينا المثال الخاص ذاته. فالشعر، أذن، يجمع بين الخاص والعام، أو بين الجزئي والكلي. وهو قائم على التشبيه، وحجته بالمثال لا بالمنطق المجرد.

 

 

أما الموقف الثالث فيوافق أفلاطون على عجز الشعر عن إدراك الحقائق النظرية، إلا أنه لا يرى لماذا يجب أن يعني الشعر بذلك، وهو من شأن العلم والفلسفة. فمهمة الشعر إثارة اللذة الفنية، وإذا كان لا يخاطب عقولنا، فلأنه يخاطب عواطفنا. فلا عجب أن يحصر دعاة هذا الموقف اهتمامهم بالمبنى دون المعنى، ذلك أن ما يلذ العواطف هو في الأكثر صفات خارجية للشعر، كموسيقى اللفظة وسحر البيان.

 

 

ولا عجب أيضا أن يعرف هذا الموقف في القرن التاسع عشر بشعار “الفن للفن” الذي أطلقه غوتيه، ثم ساد الحركة الرمزية الفرنسية والجمالية الإنكليزية وتجاوز الشعر إلى الفنون الأخرى، وفي طليعتها الرسم.

 

 

وأما الموقف الرابع فيوافق كالموقف الثالث، أفلاطون على دعواه بأن الشعر غير قادر على معاينة الحقائق النظرية، ولكنه ينكر أن يكون على الشعر معاينة هذه الحقائق الأدنى قيمة من حقائق أخرى تتكشف، لا بالنظر العقلي، بل بالحدس والمخيلة. وهذا موقف رومانسي لا عقلاني ينهض على الإيمان بتفوق قوى المخيلة على قوى العقل. ولما كنا لا نتوصل إلى معرفة الحقيقة إلا بالشعر أو سواه من الفنون، كان الشعر أهم نشاط معرفي للإنسان. فنجد أولى التلميحات إلى ذلك عند أفلاطون نفسه في كتابه “أيون” حين وصف الشاعر بأنه إلهي الإلهام ومأخوذ، وبأن الآلهة اختارته لإدراك أسمى الحقائق بالحدس. فكان أن تطور هذا الوصف عبر العصور في عدة نظريات، إلى أن قيض له في المثالية الألمانية نظام فلسفي محكم أدى إلى نشوء الحركة الرومانسية في القرن التاسع عشر. فزعم شلنغ، وبه تأثر كوليردج في صياغة نظرته الرومانسي إلى الشعر، أن بإمكانه إسناد هذه القدرة المعرفية إلى المخيلة، شرط أن يعتبر الكون وحدانيا، جوهره الإلهي كامن في كل جزئياته. فإذا كان الكل في الجزء ولا يوجد إلا فيه، فإننا لا نتمكن من إدراك الكل إلا من خلال الجزء، وهو أمر متعذر على العقل. ذلك لأنه عاجز إزاء الجزئي والخاص. وما لمنطق العقل أن يمتحن ما تدركه المخيلة بالحدس، لأنه أدنى منها وسيلة. فهي تخلق الفن، حين تقبض على الجزئي وتنفذ منه إلى الجوهر الكامن فيه. ولذلك كانت الحقيقة التي يكشف عنها الشعر هي وحدها الحقيقة. فالحقيقة تأتي بالحدس أو لا تأتي. فما هو تقييمنا لهذه المواقف؟ الموقف الأول لا يعنينا هنا. ذلك لأنه لا ينهض على أساس، بدليل أن الشعر لو أعوزته القدرة على البقاء لزال منذ أمد بعيد. وأما المواقف الثلاثة الأخرى، فنبدأ بمعالجة نظرية “الفن للفن” وكون مهمة الشعر إثارة اللذة الفنية في القارئ، فنتساءل لماذا كثر اتباع هذا الاتجاه في القرن التاسع عشر لا قبله؟ والجواب هو أن العلم منذ مطلع النهضة أخذ يحتل القطاعات التي كانت تحسب حتى ذلك الحين وقفا على المعارف الأخرى، فأثبت بتقدمه وتحسين أداته أنه يأتي بنتائج أكثر دقة مما تحلم بها تلك. ثم جاء اليوم الذي أصبح فيها العلم طاغية يدعي لنفسه القدرة على كل شيء، فأعاد عابدوه تعريف الحقيقة ليجعلوه السبيل الوحيد إلى إدراكها. وهكذا حل المختبر محل المنطق العقلي والحدس جميعا، فوجد الشعر (والفلسفة كذلك نفسه مدافعا عن حياته، وظهره إلى الحائط. وهو في يأسه من الفوز تنازل عن دعواه بأنه يعني بالمعرفة إطلاقا. وأصر على أن له مهمة لا شأن للعلم بها- مهمة تبرر وجوده- وهي إثارة اللذة الجمالية.

 

 

وهكذا أسند دعاة الشعر الخالص إلى الشعر مهمة على هامش حاجة الإنسان الجدية وسعيه نحو حياة أفضل. ذلك أن اللذة أمر ذاتي، أي أنها تتم بمعزل عن الشيء الذي يثيرها، فيستحيل التمييز بوضوح بين أنواعها. فما يثيره الشعر من لذة يثيره سواه. فحق لنا والحالة هذه أن نختار الشعر وسواه وفقا لرغائبنا. فكان أن مجرد حريتنا في هذا الاختيار جعل الشعر غير ضروري وغير واجب الوجود، بالإضافة إلى الازدواجية التي عززتها هذه النظرية بين المبنى والمعنى بتشديدها على جمالية المبنى في اللفظة والتركيب والوقع. ففي كلامنا على عملية الخلق الشعري وعلى ماهية القصيدة عرفنا كيف يتعذر على الشاعر، سواء في حالة خلق القصيدة (صيرورتها) أو بعد خلقها (كينونتها) أن يفصل بين ما أراد أن يقوله وبين ما قاله بالفعل، مما ينفي وجود أية ازدواجية بين فكرة القصيدة (معناها) وبين وجودها (مبناها)، ويثبت كون القصيدة قصيدة، لا بفضل مبناها على حدة أو معناها على حدة، بل بفضل الاثنين معا كوحدة عضوية لا تتجزأ.

 

 

فهل كان للشعر في تلك المرحلة مخرج آخر غير ادعاء التفرد بهذه المهمة التي لا يصلح لها العلم فلا يستطيع أن ينتزعها لنفسه؟ أما رأينا كيف ادعى الشعر القدرة على معرفة الحقيقة فحصر مهمته بها؟ غير أن النزعة العلمية ذاتها برهنت على بطلان هذا الإدعاء. وحسنا فعلت، ذلك أن مهمة المعرفة لا فرادة فيها، فلا شأن لها في تبرير وجود الشعر إلى جانب العلم والفلسفة. فهي تعني أن الشعر موجود قبل كل شيء لأداء “رسالة”، وبذلك تفصل معنى الشعر عن مبناه بغلاف خارجي براق. فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا القصيدة؟ لماذا لا نعطي هذه “الرسالة” مباشرة، بدل أن نلجأ إلى حيل اللغة وألاعيبها؟.

 

 

وأما الموقف الرابع، أي النزعة الرومانسية، فلا بأس بمحاولتها إعطاء الشعر دورا فريدا، وذلك بنكرانها قيمة المعرفة العقلانية وتأكيدها على المعرفة الحدسية أو المخيلتية. ولكن هل إدراك المعرفة الحدسية أو المخيلتية يتفرد به الشعر بالفعل؟ ألا يمكن صياغة هذا النوع من المعرفة بغير أسلوب الشعر؟ وإذا كانت مهمة الشعر هي إدراك هذا النوع من المعرفة، كان هذا الإدراك أهم من صياغته. والدليل على ذلك انصراف الرومانسيين إلى المعنى دون المبنى، فوقعوا في الازدواجية كما وقع دعاة الشعر الخالص ونظرتهم الجمالية. إلا أن وقوع هؤلاء الرومانسيين كان أعظم من وقوع أولئك، نظرا إلى مثاليتهم التي أدت بهم إلى أضعاف الصلة بين قوة الشاعر الخلاقة ومادة خلقه: اللغة.

 

 

وبذلك أصبح الشعر وسيلة من وسائل التعبير عن الرؤيا، لا الوسيلة الفريدة. وهي نتيجة انتهوا إليها بعكس ما كانوا يريدون.

 

وفي ضوء هذه المواقف الأربعة نرى موقفا خامسا ينطلق من الموقف الرابع الذي هو أقرب المواقف إلى الصواب، موقفا يوحد نظرته إلى المخيلة الخلاقة معترفا بدور اللغة في عملية الخلق. وبذلك تصبح القصيدة وليدة مخيلة خلاقة لا تعمل عملها إلا بوساطة اللغة، فتلغي كل ازدواجية ويبدأ الشعر أكثر من أي وقت مضى باحتلال مكانته الفريدة كجهد إنساني ضروري واجب الوجود.

 

المصدر :نظرية الشعر 5- مرحلة مجلة شعر، القسم الأول/ المقالات/ تحرير وتقديم : محمد كامل الخطيب/ منشورات وزارة الثقافة – دمشق 1996 (عن) مجلة شعر ع/27 س/7 صيف 1963 أعيد نشره في (يوسف الخال) الحداثة في الشعر دار الطليعة – بيروت 1978.

Share this post