Untitled

آرثر رامبو يغادر اليمن

كتب: جمال جبران، مجلة الدوحة، العدد 61

كثرت أساطير هذا الرائي. لا يوجد جواب محدد عن سبب توقف الشاعر الفرنسي الرائي آرثر رامبو عن كتابة الشعر. هل كان هذا لأن موهبته الكتابية نفدت؟ أم أنه كان يحترم ذاته إلى درجة دفعته للتوقف عن كتابة الشعر عندما بدأ في الاشتغال بتجارة الأسلحة والرقيق من ميناء عدن إلى ميناء الصومال؟

لكن الأمر الثابت في كل هذه القصة هو أن منزل الشاعر الرائي الفرنسي رامبو في مدينة عدن لم يعد باسمه، لم يعد حتى ذلك الفندق الذي حمل اسمه طوال سنوات.

(1)

عندما جاء آرثر رامبو إلى مدينة عدن الواقعة في جنوب الجمهورية اليمنية ليقيم فيها بين الفترة من 1880 – 1891 على مراحل زمنية متفرقة بلغت في مجموعها نحو خمسة وأربعين شهراً، لم يكن هذا «العابر بنعال من ريح» يعرف أنه سيأتي على بقعة جغرافية تقيم على فوهة جحيم. هي عدن التي يقود مناخها حرارة طقس لا يمكن احتماله من قبل شاب قادم من بلاد باردة على الدوام.

وعليه ذهب الشاعر في كيل الشتائم لها. كان يقول، في رسائلة المكتوبة لشقيقته إيزابيل التي كانت تقطن في منطقة شارلفيل بفرنسا أنه يقيم فوق فوهة بركان وفي بلاد لا يوجد بها لازهرة أو مكتبة. كان قاسياً في نقده لمدينة عدن ولذلك المناخ الذي قام لاحقاً بالتسبب في إصابته بهشاشة العظام وهو المرض الذي سيودي بحياته لاحقاً.

لكن رفاقه العدنيين لم يعرفوا هذا. لم يكونوا يعرفون من الأساس أن الذي يقيم بينهم هو الشاعر آرثر رامبو الذي قلب كيان القصيدة ولم تعد على سابق عهدها بسببه. كانوا يعرفونه فقط بصفة التاجر الذي وصل إلى مدينتهم واشتغل في بداية الأمر مع ضابط فرنسي متقاعد كان يعمل مشرفاً على وكالة لتصدير البن اليمني إلى مدينة مارسيليا الفرنسية، لكن هذا الشغل لم يعجبه كثيراً بسبب من تواضع العائد المادي الذي كان يتقاضاه منها كما كان يعتقد أنه شخص يمتلك قدرات كبيرة وأنه يجب أن يبحث لنفسه عن دخل أخر يتناسب مع ما كان يرغب فيه. في إحدى رسائله لشقيقته إيزابيل كتب رامبو: «أنا أذكى موظف في عدن».

من هنا كانت النقلة الثانية في حياة صاحب «المركب النشوان» في عدن «الأكثر وحشة في العالم بعد شارلفيل»، بحسب ماكتبه لشقيقته.

لكن هل كان رامبو فعلاً يكره هذه المدينة التي استقبلته واستطاع فيها أن يكون لنفسه اسماً تجارياً وأموالاً كثيرة ساعدته في التنقل بشكل متكرر بين مناطق القرن الإفريقي! إذا كان يكرهها فلماذا إذاً بقي فيها كل تلك الفترة؟ وحتى وهو يغادرها للعلاج في مارسيليا الفرنسية كان يقول لرفاقه العدنيين إنه سُيشفى وسيعود إليهم بالتأكيد! لكنه لم يعد.

(2)

عندما وصل رامبو إلى مدينة عدن وصل إلى منطقة تسمّى «كريتر» وهي تسمية للبركان الذي تقع عليه المنطقة كلها، كما أن مفردة «كريتر» نفسها تعني فوهة بركان. كانت هذه المنطقة وقتها تلامس البحر. هناك صورة شهيرة لصاحب «فصل في الجحيم» وهو يجلس على كرسي صيفي وصورة البيت الفندقي الذي سكنه تظهر واضحة في الصورة. الآن تبدو منطقة «كريتر» بعيدة عن الشاطئ بعد أن تم ردم مساحة كبيرة من البحر الذي كان يطل عليه المنزل فصارت تلك المساحة اليوم مفصولة بمبان سكنية ومصالح حكومية وملعبين لكرة القدم، فظهر كما لو أن النزل قد صار في منطقة بعيدة عن المكان الذي كان فيه في ذلك الزمان، بمعنى أن آرثر رامبو لو عاد مرة ثانية إلى البيت لما استدل على العنوان القديم.

(3)

في تلك المنطقة قام صاحب «الصيف الأبدي» بتكوين علاقات جيدة بشكل سريع مع الناس هناك ما جعلهم يتعلقون به خصوصاً وأهل مدينة عدن معروفون بعدم نأيهم عن الغريب القادم إلى مدينتهم، فهي مدينة تقبل كل الناس. وعلى هذا أحبّوه واعتبروه واحداً منهم حتى أنه عندما وصلهم خبر وفاته أقاموا له مجلس عزاء، وقاموا بتعليق صورته الشخصية في وسط المجلس وكتبوا عليها «لا إله إلا الله، إنّا لله وإنّا إليه راجعون».

وربما تأخذ هذه النقطة إلى الكلام الذي تردد حول أن رامبو قد اعتنق الدين الإسلامي فعلاً في أيامه الأخيرة تحت تأثير القرآن الذي كان يسمعه في أوقات الصلاة من المنارة التي لا تبعد سوى عشرة أمتار من منزله وماتزال موجودة حتى اليوم، وهي الأثر الباقي من مسجد «عدن الكبير» الذي هدمه البريطانيون في بداية استعمارهم للمدينة.

من تلك المنارة كان «العابر بنعال من ريح» يسمع القرآن والأذان بشكل منتظم، وهو مادفعه لطلب نسخة مترجمة من القرآن إلى الفرنسية. بحسب إحدى رسائله إلى شقيقته قال: «من دون هذا الكتاب سأكون أعمى».

(4)

عندما كان آرثر رامبو مغادراً مدينة عدن في رحلته الأخيرة التي لن يعود منها ثانية، لم تكن علاقة أهل عدن، وعلى وجه خاص أهالي منطقة كريتر، نابعة من كونه ذلك الشاعر الكبير الذي لم يكونوا يعرفونه وقتها بل كانت علاقتهم به قائمة على أساس من عمق إنساني فريد كان يجمع بينهم. وعندما كان يهجو المدينة في لحظات النزق لم يكن يقصدهم بشكل شخصي.

بالمقابل لن يعرف الفرنسيون موقع منزل شاعرهم الرائي في مدينة عدن إلا في العام 1991 بعد رحلة بحث وتحقيق شاقة في ثنايا وثائق بريطانية والقيام بعملية تتبع لمجموع رسائله التي كان يبعث بها من عدن، ووضعها في مقارنة مع الأمكنة التي كان يقوم بوصفها في تلك الرسائل. وإلى ذلك كانت الصور التي أخذها رامبو لنفسه أمام المنزل ووضعها في موضع مقارنة مع وصفه للأمكنة في رسائله فتم الوصول إلى المنزل المفقود.

لاحقاً تم تحويل المنزل إلى مركز ثقافي برعاية من السفارة الفرنسية وجرت فيه فعاليات عربية ودولية كبيرة لكن بعد وقت غير قصير أعلنت السفارة تخليها عن المركز بحجة عدم قدرتها على دفع إيجاره الشهري!

استعاده أصحابه ليقوموا بتحويله إلى فندق أسموه «فندق رامبو»، لكن هذا بدوره لم يستمر طويلاً فقد دخل أصحابه في نزاعات ملكية مع مدعين جدد ومصالح حكومية ليتم إقفال الفندق. حتى اليوم مايزال مغلقاً.

ليصبح آرثر رامبو بلا بيت.

Share this post