f25fd07070d8ae2b7214d051d4f0c661

“سينما فرنر هيرزوج” لأمين صالح.. الإنجاز ليس في سدّ الفجوات بل في زعزعة البناء

الوسط – جعفر الجمري

سنصل إلى ذلك المعنى “الإنجاز ليس في سدّ الفجوات… إنه في القدرة على زعزعة البناء”. تلك بعض كلمات الكاتب والممثل والمخرج الألماني فرنر هيرزوج.

قليلة هي الأفلام التي يتم استلهام موضوعاتها أساساً من أشكال وقوالب فنية ليست على التصاق بالجماهير الواسعة والعريضة. الفارق أن يحقق العمل جماهيرية وحضوراً وموقعاً على خريطة التاريخ السينمائي. ربما هم قليلون أولئك الذين قُدّر لهم مشاهدة فيلم “Invincible” وأنجزه هيرزوج في العام 2001، استلهاماً من موضوعات أوبرالية. هو تماماً “مخرج سينما التخوم”، كما يحمله عنوان الكتاب “سينما فرنر هيرزوج… ذهاب إلى التخوم الأبعد”، الكتاب الصادر عن مجلة “البحرين الثقافية”، وقام بترجمته القاص والروائي والناقد السينمائي المترجم أمين صالح، وهو واحد من ترجماته التي ينتخبها عن دراية ووعي كبير بقيمتها، يقدّم ضمن مشروعه المتنوع واشتغالاته المهمة، هيرزوغ عبر حوارات في فترات زمنية لا تجد من خلالها كبير فرق وتحولات في قناعاته. على العكس، هو يعمّق تلك التحولات والقناعات. يضفي عليها روحاً من الحكمة كلما امتد به الزمن. إنه درس الحياة الذي يبدأ ولا يريده أن ينتهي.

عُرف هيرزوج ربما من بين مخرجين قليلين، بأنه من الذين لا يتردّدون في ارتجال أجزاء من السيناريو أثناء تصوير أفلامه. ارتجال السيناريو أمر يكشف ربما عن أمر: العمل لا ينتهي في كونه نصاً. في إعادة تشكيله. لا شكل نهائياً لأي نص. في الكتابة عموماً، والسيناريو وأثناء العمل عليه خصوصاً. أهميته من بين مخرجي العالم؛ سواء الذين جايلوه، أو أولئك الذين تعلّموا منه وتأثروا به في صورة أو أخرى، في أنه يتأكد من خلال أي عمل من أعماله أن الطريق التي سعى إليها لن تكون بالضرورة هي طريق العودة. لا يحب طرق العودة. يبحث دائماً في أعماله عن تلك الطريقة التي تعيد صوغ خيال وتفكير العالم الذي تشتغل أعماله عليه لإعادة رسْمه وتركيبه.

ولم يطلق المخرج الفرنسي الأسطوري فرانسوا تروفو مقولته، أو شهادته جزافاً: الشهادة بشهادة مثلها أو أحسن منها: هرتزوج أهم مخرج سينمائي على الإطلاق. وأهميته لا تكمن في قدرته على تحوير الموضوعات، وتمرير القيم بعيداً عن المباشرة التي لم تنجُ منها كثير من الأعمال من أوروبا إلى الأميركتين، والسينما في العالم عموماً. القيمة المباشرة بالنسبة إليه لا تختلف كثيراً عن “افتتاح كلية لتخريج أغبى سكّان العالم”! قيمته في المعالجات الصادمة… الصاعقة التي يشتغل عليها وينجزها.

الألماني المولود في ميونيخ، لم يأتِ إلى السينما مكتفياً بقدرته على إدارة المَشاهد والأدوار. جاءها كاتباً للسيناريو، وممثلاً ومخرجاً لعروض الأوبرا، لهذا يمكننا أن نفهم ذهابه السلس والمدهش في تحويل موضوع أوبرالي إلى فيلم، كما حدث مع فيلمه “Invincible” كما أشرنا في المقدمة.

تحطيم هيرزوج للقوالب والمسارات الموضوعة في السيناريو، واحد من أعماله الفارقة. شهد له بذلك سينمائيون ونقاد كبار. الشخصيات التي يقدمها، يتعامل معها تبعاً للظروف المحيطة بها، وذلك ما يجعله غير متردد في قلب الطاولة (طاولة العمل) وإعادة ترتيبها. خذ مثلاً، في فيلمه: فيزكارالدو، حدد للشخصية الرئيسة دوراً معكوساً وذلك خلال تصوير الفيلم! هكذا يجد النهايات. يجد التخوم وهو في منتصف الطريق، وأحياناً للتو بدأ!

تعميق التحوُّلات والقناعات

في حواراته المهمة، كان يصْدر عن رؤية بعيدة. بمعنى كان يقدم تفاصيل تبدو لكثيرين هامشية في أعماله، عبر تلك الحوارات، وكأنه يستدرك؛ أو يقدم استدراكاً لأعمال شاهدها لم تخلُ من المتعة، ولكنه تمنى ألاّ تجد في الاستدراك أثناء تصوير الأعمال عيباً أو خطأ كارثياً. ربما تكون هي اللحظة التي تصنع القيمة الخالدة للفيلم/ العمل.

لم يكُن هيرزوج، يتعامل مع الكاميرا باعتبارها عيناً على المشهد. عيناً على حركة الأشخاص الذين سيختزلون مواقف وإشارات من تلك الحياة في بضع دقائق. بعض تلك المشاهد ربما لا تتجاوز الثواني. إنه يتعامل مع تلك المساحة باعتبارها إطلالة على العالم. ليس ذلك فحسب. يطل من خلالها، ويتعامل معها باعتبارها المدخل والطريق إلى إعادة النظر في هذا العالم عموماً. ومحاولة أخرى لفهم السياق البشري وهو محشور في تلك المساحة التي تسمّى العالم؛ صغرت أم كبُرت تلك المساحة.

يشير محرر الكتاب بول كرونين، في تقديمه، وتحديداً في مارس/ آذار 2002 إلى أنه “منذ بضعة شهور، وفيما كنت في غمرة تحرير النسخ، تحدثت إلى هيرزوج عبر الهاتف، وسألني: “متى سيجهز الكتاب؟… اسمعْ، الكتاب لا يحتاج إلى بنية، بل إلى حياة. دع الفجوات والانقطاعات في التسلسل، لا تسدّ الفجوات. لا تسدّ مساماته. زعزع البناء واكتب الكتاب فحسب”.

رؤية مثل تلك لا تصدر إلا عن فائض استثنائي في الفهم. ليس الفهم وحده. لا ينشغل به هيرزوج. الانشغال بمحصّلات ذلك الفهم. في كل أفلامه كانت لديه مسافة فاصلة بين أن تخرج أفلاماً، وتقدمها برؤية مغايرة؛ حتى لو لم تحز على خمسة من الجمهور يهتمون بما قدّمت، وبين أن تُخرج أفلاماً لجمهور سيقبل عليها لزمن، وسيعمد إلى إلغائها من الذاكرة. مثل تلك الأفلام لا تصنع الحياة. ربما تصنع النزوة. ربما تنتشل الناس من وحدتهم وضجرهم لبعض الوقت؛ لكنها لن تستطيع أن تفعل ذلك لزمن طويل. ثم إن الأفلام لم تُصنع لتقوم بدور طرد الضجر!

فيلم شاهده أربعة فقط

ربما تقرّبنا إلى المعنى في الفقرة السابقة، إجابته على سؤال: بين “هرقل” و “دفاع غير مسبوق”، هناك فيلم حققته، أليس كذلك؟

أجاب: “تقصد (لعبة في الرمل)، الذي هو بالتأكيد أفضل من (هرقل)، لكن لم يشاهده إلا ثلاثة أو أربعة أشخاص. وقد حرصت على عدم عرضه فور انتهائي منه. إنه الفيلم الوحيد الذي لن أعلن عنه، أو أقوم بالدعاية له، مادمت حياً. وربما أتلف النسخة السالبة قبل أن أموت. هو عن أربعة أطفال وديك، لكن من الصعب التحدث عنه لأن، خلال التصوير، تكوّن لديّ إحساس بأن الأمور تتحرك في حالة يتعذّر معها السيطرة على شيء أو التحكّم به”.

المفارقة التي تبدو هنا أنه أشبه ما يكون قد تبرّأ من الفيلم. الأمر ليس كذلك. لا يلمّح إلى رداءة في المستوى هنا. يلوّح إلى أن المخيلة البشرية اليوم في طريقها إلى التحلّل والانتهاء بهذه القدرة على مراكمة ومضاعفة الرداءة لديها. كل شيء يُراد له أن يكون برَّانياً ومباشراً. لا قيمة لأخذ تلك المخيّلة إلى رياضة شاقة ومن نوع خاص. حتى المخيلة إذا لم تحافظ على لياقتها ستكون عبئاً على الكائن البشري. كأنها فائض لا لزوم له.

المخيلة والعمل تحت التنويم

“في العام 1974، استعان هيرزوج بشخص يُدعى Bruno S في الأربعين من عمره، وكان قد أمضى أغلب سنوات حياته في المصحات ودور الرعاية، ليمثل دور كاسبر هاوسر البالغ من العمر 16 سنة. بعد عامين جعل كل ممثلي فيلمه (قلب الزجاج) يؤدون أدوارهم تحت تأثير التنويم المغناطيسي. ثم اندفع نحو جزيرة بركانية في الكاريبي، على وشك الانفجار، ليصوِّر هذا الحدث في فيلمه الوثائقي La Soufriere”.

وهنا توضيح وتفصيل كشفه سؤال: إلى أي مدى هي مختلفة إدارة الممثلين تحت التنويم عن التعامل مع ممثلين ليسوا في حالة غشيان؟

أجاب: “المخيلة تعمل بشكل جيد تحت التنويم. أنا لم أطلب من أحد أن يكتب قصيدة. قلت لهم: أنتم من أوائل الذين وضعوا أقدامهم على جزيرة أجنبية منذ قرون. إنها مكسوّة بالأدغال، مليئة بطيور غريبة. إنكم تصادفون منحدراً صخرياً شاهقاً، وبمعاينة دقيقة يتضح أن هذا المنحدر مُؤلف من الزمرّد الخالص حيث منذ مئات السنين، أمضى راهب مقدس حياته بأسرها حاملاً إزميلاً ومطرقة، وبهما نقش قصيدة في الجدار. لقد استنفد حياته كلها وهو ينقش قصيدة مؤلفة من ثلاثة أبيات”.

الخيار الأسوأ: أن تتعاون!

عن إصدار اللقاءات التي أجريت معه، وصدرت في الكتاب موضوع المراجعة، كتب هيرزوج نفسه، وكان وقتها في لوس أنجليس في فبراير من العام نفسه “في مواجهة التخيير الصارم بين أمرين: أن أرى كتاباً عني، هو حصيلة تجميع وتوليف لمقابلات مغبرّة، بكل التحريفات والتشويهات والأكاذيب الطائشة، أو التعاون… فقد آثرت الخيار الأسوأ: أن أتعاون”.

كل ذلك لا يعني أنه على قطيعة مع تلك القيمة: التعاون. كل ما ينجزه هو نتاجها. فقط، أن تغضّ الطرْف عما يصلك وتعلم بشأنه؛ وخصوصاً ذلك المتعلّق بالقدرة على إنتاج الشائعات، والفبركات والأكاذيب التي تحدث عنها. كان أكثرهم في هذا الحقل عرضة لها. قبل، وبعد كل عمل ينجزه لا تنفك المخيلة عن إنتاج كل ما يسيء ليس له، بل للأطراف التي يصدر عنها كل ذلك. تعاونه هنا “كي لا تشعر الحياة بإرباك في منتصف الطريق إليها”!

وفي ذلك كتب كرونين في مقدمته: “شخصياً، أعترف، وأنا أقضي الوقت الطويل مع الرجل، أنني كنت أتوق على نحو ملْتوٍ ومراوغ، إلى الإيقاع به وضبطه في غلطة أو زلّة لسان، أن أجد ثغرات في حججه، أن أكشف الغطاء عن كتلة من البيانات والتصريحات المتناقضة… لكن محاولاتي باءت بالفشل ولم تكن مجدية. لذا توصلت إلى هذا الاستنتاج: إما أن يكون كاذباً بارعاً، أو – وهو المرجّح – أنه يقول الحقيقة”.

العامل اعتبرني “يانكياً”

في أميركا التي اعتاد أن يكون مقيماً فيها لفترات، متنقلاً من ولاية إلى أخرى، له مشاهداته عن طبيعة العلاقة التي يتعامل بها بعض الأميركيين مع مواطنيهم؛ وليس فقط مع غيرهم من الشعوب، والألمان منهم، أولئك الذين مازال البعض ينظر إليهم باعتبارهم زبانية تخريب طمأنينة العالم. (الألمان يدفعون ثمن تهوّر وحماقة هتلر!) مثل القصة التي سيرويها بعد قليل تكشف عن قدرته على أن يكون فاحصاً ومتهكِّماً على ما يفاجئه ويتعرض له. أميناً على نقل الصورة يكون!

القصة بدأها رداً على سؤال يتعلق بالوقت الذي احتاجه العالم ليدرك ما كان يحدث في السينما الألمانية. عدو المباشر هو في الردود.

“ليس سهلاً الجزم بالوقت الذي يمكن أن يستغرقه الكتّاب والرسامون الألمان – وبصورة خاصة صانعو الأفلام – في أخذ أماكنهم، بحرية وعلى نحو كامل، في الثقافة العالمية. قبل سنوات، عندما كنت في أميركا، أوقفت سيارتي عند محطة بنزين في الجنوب الأقصى، أظن أنها في المسيسبي. سيارتي كانت تحمل رقماً خاصاً بولاية بنسلفانيا. العامل اعتبرني (يانكياً)، ورفض على نحو صريح أن يبيعني البنزين. لقد مضى قرن على انتهاء الحرب الأهلية الأميركية ولاتزال الضغينة باقية في نفوس البعض في الولايات الجنوبية. أعرف أن الكثيرين لديهم الشعور ذاته تجاه ألمانيا اليوم، والتقدم البطيء للوعي الجمعي ربما هو أحد الأسباب الذي يجعل المخرجين الألمان الجدد يواجهون زمناً عسيراً في عرض أفلامهم خارج البلاد”.

بعد عقود من انتهاء الحرب العالمية الثانية، سيشهد هيرزوج جانباً من الكارثة في العصر الحديث. في فيلمه الوثائقي “دروس الظلام” كان عرضاً لآبار النفط المحترقة في الكويت. كان في قلب التحولات المجنونة والعبث والطغيان، مسجلاً لزمن ليس مستبداً؛ بل هو استبداد الذين يدّعون أنهم وجدوا في هذا العالم كي يمنحوا الحياة قيمة! قيمة الموت المبكّر والجنون في درجاته الرديئة والبذيئة!

تحطيم الجاهزية

هيرزوج عمل على تحطيم الجاهزية في اختيار الطواقم التي ستنجز العمل معه. النجومية أمر مهم للغاية؛ لكن طبيعة بعض الأدوار لا تحتاج نجوماً مرفّهين استقروا في وعي جماهيرهم. كيف يمكن لمخرج أن يلتقط إنساناً عادياً يقرأ إمكاناته من الداخل، ومطمئن إلى أن ما يريد تمريره هو كمخرج لن يستطيع أن يقوم به سوى شخص قد يكون عابراً؛ أو شخصاً اتخذ من ركن في مقهى مكاناً للنظر في شئونه. هذا الالتقاط. هذا التحطيم لكل جاهز هو ما جعل هيرزوج صانعاً للدهشة، ومكتشفاً للذين بإمكانهم أن يجسّدوها، من دون أن يكونوا من أصحاب الحظوة والمكانة والشهرة.

كرونين سأل هيرزوج: أين عثرت على كليمس شايتز، الذي ظهر في فيلم كاسبر، وظهر أيضاً في فيلم “لغز كاسبر هاوسر” و “قلب من زجاج”، فكان ردُّه: “لفيلم كاسبر احتجت إلى مجاميع، وعندما كنت أتأمل صور المجاميع، نحو 200 صورة، استوقفتني صورة شايتز. الوكالة اقترحت أن أختار شخصاً آخر لأن ثمة خللاً في عقله. هكذا قالوا. غير أنني لم أكترث لذلك. كنت مصرّاً على الاستعانة به بأي شكل. كان رجلاً عجوزاً، جذاباً، وبين كل رشفتين من القهوة بإمكانه أن يصف لك وظيفة الصاروخ الذي بناه للتو، أو بوسعه أن يبرهن لك، بكتابة بضعة أرقام على غطاء طاولة المطعم، أن آينشتاين وإسحاق نيوتن كانا حمقى تماماً”.

خارج سياق فصول الكتاب – إلا قليلاً – تجدر الإشارة إلى أن الممثل السوري جهاد عبدو، الذي اضطر إلى ترك بلاده بعد أن طحنت الحرب الأهلية البشر قبل الحجر، كان محظوظاً، وهو الكفء أيضاً، بالعمل مع هيرزوج، وفي هوليوود تحديداً، حين أسند إليه دور البطولة إلى جانب النجمة نيكول كيدمان، في فيلم “ملكة الصحراء”. الفيلم كتبه وأخرجه هيرزوج نفسه.

الإصدار مليء بالمشوّق والمدهش. تجربة إنسانية وإبداعية ثرية يقدمها هيرزوج، وقدّمتها بشكل مبهر أيضاً تجربة أمين صالح بمشروعاته السابقة، في ترجمة ملفتة، بلغة محْكمة وأمينة في مساحة كبيرة من الإصدار.

 

Share this post