9a674618c404919cd0a3ff4e8d3eaf369ae3f9ab

تادووش كانتور قراءة في التقديم.. قراءة في المتن

كتب عدنان منشد

المصادفة وحدها، قادتني قبل أيام إلى أحد مكاتب الاستنساخ المجاور لكلية الفنون الجميلة في الوزيرية، ليقع بصري على عنوان مثير من كتب المسرح الحديثة … (مسرح الموت عند كانتور … تيار مابعد التجريب). في العام 1995 أعارني د. عقيل مهدي عددا خاصا من مجلة (المسرح) المصرية، وكان هذا العدد مكرسا للتجارب الإخراجية الحديثة في المسرح البولندي في القرن العشرين، من خلال (تادووش كانتور/ ييرزي  جروتوفسكي/ يوزيف شانيا/ أندريه فايدا) ضمن دراسات ضافية متعددة، معززة بالصور والوثائق وحوليات المسرح البولندي لمرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية في أربعينيات القرن الماضي.

 

أسعدني حقا وقتذاك، أن أتعرف على المسرح البولندي الحديث من خلال أربع قامات مسرحية أسبغت على هذا المسرح قيم التعبير والجمال والتجريب والحداثة، خصوصا أن معرفتي بالمسرح البولندي لاتتعدى جرو توفسكي ـ الرائد الأول للمسرح الفقير في العالم، فضلا عن معرفتي بـ (فايدا) كأشهر المخرجين السينمائيين في الربع الرابع من القرن العشرين، وقد هالني أيضا عمق التجارب المسرحية للمخرج الأخير في منصات بولندا والعالم، فمعرفتي به وقتذاك إنه حاصد جوائز سينمائية في كافة المهرجانات العالمية.

ولأن كانتور وشاينا، كانا غريبين علي بالمرة، فقد آليت على نفسي ان استنسخ كل ما يتعلق بهما في المجلة التي اهدانياها د. عقيل مهدي، املا في التعرف عليهما في القادم من الايام، فكان حصاد تلكم الايام أن اخرجت  مسرحية (ربليكا) ليوزيف شاينا في المهرجان الثالث عشر لمنتدى المسرح العراقي عام 1999 ضمن السيناريو المنشور بتلك المجلة، فتحملت زوبعة من النقد والتجريح بلسان الاستاذ سامي عبد الحميد وعبد المنعم الاعسم وحيدر منعثر وآخرين، حال اقامة الجلسة النقدية بعد العرض، واعترف ان من انصفني في تلك الجلسة النقدية الصاخبة ثلة مسرحية معروفة اتخذت مسار العقلانية والهدوء الحضاري والثقافي الجميل، ومنها : د. يوسف رشيد، عزيز خيون، عواطف نعيم، ميمون الخالدي، والبعض الاخر من الذين نستهم ذاكراتي بفعل تقادم السنين.

وحدة (تادووش كانتور) جاء الي كريح الصبا، يلهث على حوض من البنفسج، فيختلس العبير وينشره لإرساء التجريب المسرحي الحديث في بولندا على اسس سيبقى الكثير منها ثابتا لعقود وازمان طويلة فيما بعد .

من هذا المنطلق، سأتناول (كانتور) الرائد المسرحي البولندي التجريبي الاول في حلقات ثلاث بواعز من مؤلفه (يان كووسفتيش) الناقد ورجل المسرح البولندي الذي عاصر (كانتور) في حله وترحاله، وبترجمة د. هناء عبد الفتاح، التي تنساب بولهها من خلال هذا الكتاب، انسياب النغم من مفتتحه حتى ختامه.

اعترف منذ البدء، ان هذا الكتاب، هو الاول من نوعه، بشموليته، وفي تتبع سيرة رجل المسرح الرسام والمخرج المسرحي الطليعي البولندي كانتور، المعروف كاكبر رائد تجريبي في الاوربيتين الشرقية والغربية لمسرح الحداثة، متجاوزا السائد والتقليدي لتجارب ستانسلافسكي وميرهولد وتايروف وفاختنكوف بعد ان عاصرهم جميعا منذ بداياته الاولى في مطالع القرن العشرين كملمح رئيس لملامح التجريب المسرحي العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين. ولعل دقة المؤلف (كووسفتيش) في التحليل والتعريف ليس فقط بـ (كانتور) بل بظاهرة حركة التجريب المسرحي البولندي الذي يمثل (كانتور) احد اعلامه البارزين.

ان تحديد ابداع هذا المخرج، وعلى وجه أخص ، مفردات تقنياته الفنية، ليس بالامر السهل ـ كما تعترف د. هناء عبد الفتاح في ترجمتها لهذا الكتاب، فهو رسام وماكير وسينوغراف بارع في الديكور والازياء والمكياج والاضاءة والتقنيات الصوتية المصاحبة لفعل العرض وممثل. ومع ذلك، فليس بمقدور أحد حصر امكانات (كانتور) ا لابداعية الباهرة وقدراته الفنية في مجال التجريب المسرحي العالمي.

حياة هذا الفنان تتحدد بين عامي (1912 – 1992 )اذ ولد بمدينة (فيلوبولي) وهي مدينة صغيرة واقعة في شرق بولندا، تفترش ميدانها الكبير بعض الشوارع الفقيرة الحافلة بالمتاجر الصغيرة، والبعض من حانات الليل. وفي هذا المناخ لم يكن ثمة حديث حول اي نوع من التطور الفني، لقد أرضى الرسم باعتباره فنا نفسية (كانتور) وذاته. كان محتدما ومنفعلا بحياته اليومية الى ابعد الحدود ، ولكنه كان صارما وصوفيا على صعيد الفن على درجة لاتطاق في سلم شبابه، فكان يشارك في المسيرات الشعبية والتظاهرات الفنية الزاخرة بالاعلام والازياء الملونة، التي يرتديها الفلاحون والفلاحات والفئات الشعبية الاخرى.

ثمة في الاخير، حقيقة اساسية عند (كانتور) تصل  الى نتيجتين:

اولهما: تخص التقاليد الفنية، وثانيهما: الوسط الفني الذي تشكلت داخله ذاتية الفنان وفرديته وكيانه الفني، وتؤدي المرحلتان الى تعدد واستطراد في وجهات النظر حول كانتور ومسرحه. فالتقاليد الثقافية والتاريخية الجديدة في مختلف اماكنها ومدنها، خصوصا في كتارنوف وكراكوف، تحمل داخلها سمات وخصوصية، بل تمثل الخلفية الجوهرية التي ينهض بها مسرح (كانتور). ومن ناحية اخرى يؤكد الوعي التاريخي للبولنديين روح هذا المسرح، باعتبار بولندا أمة قامت من الاسر في عام 1918 بعد قرن من الزمان، ليحصل الشعب البولندي على استقلاله وسيادته، فتتخلق عادات وتقاليد تراثية عايشت الفشل المستمر والشعور بالضياع، والصراع المستمر من أجل الحرية.

ولان كتاب (يان كووسفيتش) بحد ذاته مهيئا لمتعة القارئ دون ممهدات او تعقيبات فان المقدمة التي كتبها هذا المؤلف، فضلا عن المقدمة المبتسرة لمترجمه التي فيها من التفاصيل والمعلومات مايضاعف من متعة القارئ، ويزيد من قدرة رجل المسرح على تقديم عرضه الحديث على منصات المسرح، ويعينهما في دقائق الصنعة (الكانتورية) وطاقتها السحرية في تحويل التراب الى ذهب ورفع الثرى الى الثريا.

 

Share this post