ruben-dario-1

الملك البرجوازي – روبين داريو

نشر في مجلة العربي، العدد 634 – 2011/9

صديقي، السماء كئيبة، والهواء بارد، والنهار حزين، فإليك قصة سعيدة… حتى يمكن إبعاد الضباب والأحزان الرمادية، إليك القصة:

كانت هناك مدينة شاسعة ومضيئة، يحكمها ملك قوي، يرتدي ملابس مزركشة وثرية، ويملك جاريات عاريات، بيضاوات وسمراوات، وخيولاً ذات أعراف طويلة، وأسلحة فتاكة، وكلاب صيد سريعة، وخدماً ينفخون في الصفارات البرونزية، يملأون الرياح بصلفهم، هل كان هذا الملك شاعرا؟ لا. يا صديقي: إنه الملك البرجوازي.

لقد كان الملك هاويًا للفنون، وكان يغدق على موسيقييه، وعلى من يكتبون في مدحه الأغاني، وعلى الرسامين والمثالين والصيادلة والحلاقين وأساتذة المبارزة.

عندما كان يذهب إلى الغابة، كان يقف إلى جوار الخنزير البري النازف ويطلب من أساتذة التملق المحيطين به أن يكتبوا أغاني في مدحه، وكان الخدم يملأون الكئوس بنبيذ الذهب المغلي، وتصفق النساء بحركات إيقاعية ورشيقة. لقد كان هو الملك الشمس، قصوره مليئة بالموسيقيين، والقهقهات وضوضاء الاحتفالات. وعندما يسأم من المدينة، كان يذهب في رحلة صيد إلى الغابة بضجيج الحاشية فتفزع الطيور من أعشاشها ويصل الإزعاج إلى أعماق الكهوف. وتحطم الكلاب ذات الأقدام السريعة الأحراش في تسابقها، والصيادون المنحنون على أعناق الخيول، يرفرفون بعباءاتهم الأرجوانية ووجوههم محمرة وأعرافهم ترفرف في الريح.

كان للملك قصر رائع مليء بالثراء والقطع الفنية العجيبة، وكان محاطاً بحدائق البنفسج والبحيرات المترامية، عندما كان يذهب إليه تحييه البجعات بأعناقها البيضاء، والخدم المنتشرون. كان ذوقه رفيعا، يصعد عبر سلم مليء بأعمدة الرخام والزمرد، وعلى جانبيه أُسود من الرخام تشبه تلك التي تحيط بعرش الملك سليمان، إنها الرهافة. وإضافة إلى البجع كان يملك حديقة من الطيور، وكعاشق للتناغم وخرير الماء والتي كان إلى جوارها يزيد من انطلاق روحه، فقد كان يقرأ روايات إم. أوهنت، أو كتبا جميلة عن قضايا القواعد اللغوية، أو النقد الجميل، ولكن يجب الاعتراف بأنه كان مدافعا حقيقيًا عن القواعد الأكاديمية في الأدب، وأشكال الجمال الرائع في الفنون، لقد كان يمتلك روحًا متسامية ورقيقة، وحبا لفنون الكتابة.

مصابن صينيات! إنها للإحساس بالثراء لا أكثر، ويمكنه أن يجلس في الصالون لمجرد التفاخر على طريقة الجونكورد أو الإحساس بملايين «كريسو»، وتماثيل لحيوانات خرافية من البرونز، بأفواه مفتوحة وذيول معقوفة، تتجمع في مجموعات خيالية ورائعة، وأصماغ تشكل من الأوراق زهرة ضخمة، وحيوانات من عوالم مجهولة، وفراشات بأجنحة غريبة معلقة بالحوائط، وأسماك وديوك ملونة، وأقنعة عليها علامات جهنمية، بعيون تكاد تنطق بالحياة، وأسرجة ركوب من أوراق قديمة جدا، ومقابض لها رأس تنين تلتهم زهرة لوتس، وقواقع بيض، وعباءات من الحرير الأصفر، كما لو كانت قد حيكت من خيوط عنكبوت، مرسومة عليها بلشونات حمراء وأكوام من الأرز الأخضر، وأوانٍ من القيشاني، وأوان صينية مرت عليها قرون عديدة، من ذلك المرسوم محاربون من التتار تغطيهم الجلود حتى منتصف أجسادهم، ويحملون أقواسا مشدودة وجرابات السهام.

ما عدا ذلك، كان هناك الصالون الإغريقي، المليء بالتماثيل الرخامية: آلهة، وملهمات، وحوريات، وكائنات خرافية. إنه صالون الأزمنة الغابرة، به لوحات لكبار الفنانين أمثال «واتوو» و«شاردين»، اثنان ثلاثة أربعة، إنها صالونات كثيرة!

وكان يتجول فيها جميعا بحرص واهتمام، وتعلو وجهه وجاهة ظاهرة، بكرشه السعيد وتاجه على رأسه، كما لو كان ملكا من ملوك أوراق اللعب.

في يوم من الأيام قدموا له نوعًا غريبًا من الرجال، وضعوه أمام عرشه، حيث كان محاطا بالحاشية، والمتملقين ومعلمي الإتيكيت والرقص.

 سأل:

  – ما هذا؟

  – سيدي، إنه شاعر.

كان لدى الملك بجعات في البحيرة، وطيور كناري وزرازير في أقفاص الحديقة، وشاعر وكان أمرا جديدًا وغريبًا.

– دعوه هنا.

قال الشاعر:

– سيدي، أنا لم آكل.

قال الملك:

– تحدث وسوف تأكل.

وبدأ الشاعر يتكلم:

– سيدي، لي زمن وأنا أغني الفعل المستقبلي، فردتُ جناحي على العاصفة، لقد ولدتُ في لحظة طلوع الفجر، وأبحثُ عن تلك النوعية التي يجب انتظارها، باللحن في الفم والقيثارة في اليد، انتظارا لشروق الشمس، لقد غادرت استلهام المدينة الرديئة، غادرت الغرفة المعبقة بالعطر، والملهمة القادرة على ملء الروح بصغائر الأمور، وتغطية الوجه بذرات الأرز. لقد قطعت أوتار آلة الهارب الضعيفة الأداء، وضربتُ كئوس الزجاج البوهيمي والدوارق التي كان الخمر يترقرق فيها، ذلك الذي يُسكر دون أن يمنح القوة، ألقيتُ عني العباءة التي تجعلني هيستيريا، أو أبدو امرأة، وارتديت الشكل الخشن والساطع، إن خرقي من الأرجوان. لقد ذهبت إلى الأحراش حيث اشتد عودي بفضل الحليب المتخثر ورحيق الحياة الجديدة، وعلى شاطئ البحر الجاف، نافرا رأسي تحت عنف القوة والريح العاتية، كملاك متكبر، لقد تدربتُ على العَروض وقررت الإعراض عن كتابة قصائد الغزل.

لقد داعبتُ الطبيعة السوداء وبحثتُ، تحت تأثير المثالي، عن القصيدة الكائنة في النجم الساكن في أعماق السماء، وتلك التي في اللؤلؤة الكامنة في أعماق المحيط. أردتُ أن أكون شديداً! لأن زمن الثورات الكبرى قادم، كمسيح مشع بالنور، كله هياج وقوة، ومن الضروري استقبال روحه بقصيدة تكون قوساً منتصراً، مكونة من مقاطع من فولاذ، ومقاطع من ذهب، ومقاطع من حب.

سيدي، إن الفن ليس في الانحناءات الرخامية الباردة، ولا في اللوحات الناعمة، ولا حتى في رسوم الرائع «أونت». سيدي، إن الفن لا يرتدي السراويل، ولا يتحدث اللغة البرجوازية، ولا يضع النبرات على كل حروف الياءات، إن الفن جليل، يرتدي عباءات من ذهب، أو من لهب، أو يسير عاريا، أو يصنع الصلصال بالحمى، ويلّون بالنور، إنه ثري ويضرب بأجنحته كالنسور، أو يزأر كالأسود. سيدي، ما بين أبولو والأوزة، أنتم تفضلون أبولو، حتى لو كان الأول من طين محروق والآخر من العاج.

أوه، أيها الشعر!

والآن! فإن الإيقاعات تفقد براءتها، ويتغنى الشعر بمحاسن النساء، ويجري صنع مشروبات شاعرية، وأيضا، يا سيدي، فإن ماسح الأحذية أصبح يكتب نقدا عن إيقاعات أشعاري، والسيد أستاذ الصيدلة يصحح قصائدي بوضع النقاط والفواصل. سيدي، وجلالتكم توافقون على كل هذا… إنها المثالية، إنها المثالية!

قاطعه الملك:

-ها لقد سمعتم. ما الذي يمكن فعله؟

قال فيلسوف متملق:

-لو سمحتم لي سيدي، يمكنه أن يكسب عيشه بتشغيل صندوق موسيقى، يمكننا أن نضعه في الحديقة، بالقرب من البجع، يعزف كلما تنزهتم بالقرب منه.

 قال الملك متوجهاً إلى الشاعر

-نعم، عليك أن تدير عجلة الصندوق، وأن تغلق فمك، عليك أن تدير صندوقا موسيقيا يعزف مقطوعات من الفالس، والمربعات، وأصوات السباق، إن لم تكن تفضل الموت جوعا، كل مقطوعة موسيقية مقابل قطعة من الخبز، لا أريد رطانة ولا مثاليات. اذهب.

ومنذ ذلك اليوم أمكن مشاهدة الشاعر الجائع على حافة بحيرة البجع يدير عجلة صندوق الموسيقى: تريرررين… تريريررررين… وكله إحساس بالخجل من أشعة الشمس العظيمة، وكان يتنزه الملك بالقرب من المكان، تريرررين… تريريررررين… كان لابد من ملء البطن الفارغة وإيقاف ألم الجوع تريرررين. فيما تسخر منه الطيور التي تطير حرة في الفضاء، تشرب الندى من على أوراق زهرة الليلك المزهرة، وطنين النحل الذي كان يوخزه في وجهه ويملأ عينيه بالدموع… دموع مريرة تجري على وجنتيه لتسقط على الأرض السوداء!

وحل الشتاء، وشعر المسكين بالبرد في جسده وفي روحه، وكان عقله كما لو كان خاضعا لصعقة كهربائية، وكأن الأناشيد الكبرى قد ذهبت مع النسيان، وتحول شاعر الجبال المتوجة بالنسور إلى كائن مسكين يدير عجلة صندوق الموسيقى: تريرررين!

وعندما تساقط الجليد نسيه الملك وحاشيته، وتدثرت الطيور، فيما بقي هو تحت رحمة الهواء الجليدي الذي يعض عظامه ويسوط وجهه.

وفي إحدى الليالي التي كان يسقط فيها المطر الأبيض ندفه الزجاجية، كان في القصر احتفال، وكانت أضواء العناكب تضحك سعيدة على أعمدة الرخام، وعلى الذهب وعلى أغطية الخزف الصيني القديم، وكانوا يصفقون حتى الجنون تحية لخطاب الأستاذ المتملق، المنمق طبقا للأوزان الموسيقية والعروض الشعري الإغريقي القديم، وبينما كانت الشمبانيا تفور في الكئوس الزجاجية بزبدها الساطع، إنها ليلة شتائية، ليلة احتفالية! والشاعر التعس مغطى بالجليد، بالقرب من البحيرة يحاول تدفئة جسده المرتعش بإدارة عجلة صندوق الموسيقى تحت البياض القوي والجليدي، في ليلة معتمة، فيما يجري صدى موسيقى السباق بين الأشجار الخالية من الأوراق، إلى أن سكن جسده برعشة الموت، وهو يفكر أن الشمس ستشرق في اليوم القادم، ويعود مع مولدها الزمن المثالي…، زمن لا يلبس فيه الفن سراويل بل يتدثر بعباءات من نار أو من ذهب… إلى أن عثر الملك وحاشيته في اليوم التالي على الشاعر المسكين، كما لو كان قبرة قتلها الجليد، وعلى شفتيه ابتسامة مريرة، ولاتزال يده ممسكة بعجلة صندوق الموسيقى.

أوه يا صديقي! إن السماء معتمة، والهواء بارد، والنهار حزين. ويتصادم الضباب بالألوان الرمادية بجنون.

          لكن، كم تبعث الدفء في الروح جملة تُقال، ومصافحة باليد تأتي في وقتها المناسب، إلى اللقاء.

 

Share this post