thea

ما بعد الحداثة وجماليات المسرح

يعد مصطلح ما بعد الحداثة مصطلحا صعب التحديد إذ اتفق الكثيرمن الباحثين على عدم وجود تعريف جامع لهذا المصطلح ففي تيار ما بعد الحداثة قد حدث امتزاج بين الفلسفة والنقد الأدبي، فكان هذا الأخير هو الميدان الرئيسي الذي شهد التطبيقات العملية لهذه التيارات وبرغم غموض المصطلح وصعوبة تحديده فإن تيار ما بعد الحداثة قد خلق لنفسه فضاءً فكرياً رافضاً لكل المسلمات القديمة التي تتحكم في كافة مناحي الحياة، كما أنه على المستوى الفني يرفض التقاليد الفنية القديمة والمستحدث منها وإفسادها وإخضاعها للتفكيك، وبذلك فهي قد استخدمت وسيلة الحداثة نفسها لكنها افترقت عنها في الستراتيجية فالحداثة نشأت واستمرت كحركة دينامية عصفت بكل البنيات والذهنيات العتيقة، وساهمت في إحداث نوع من القطيعة الجذرية مع كل ما هو تقليدي، ومؤدية إلى بلورة تصور جديد للعالم مختلف كليا عن التصور التقليدي، ولم تشرع الحداثة الغربية في تلمس الوعي بذاتها، إلا بعد انقضاء ما يقارب ثلاث قرون على انطلاق ديناميتها في أوروبا الغربية، أي ابتداء من القرن 18 الأوروبي، الذي عرف بعصر الأنوار أو التنوير، عصر انتصار قيم الحرية والعدالة والديموقراطية والانفتاح أي عصر انتصار الفكر الفلسفي الحر الذي يحاول جادا تعرية تهافت المؤسسة الكنسية وتقويض وتفكيك أخلاقيات الميتافيزيقا وما تحمله في طياتها من أساطير وخرافات التي تكبل تفكير الإنسان الأوروبي وتقيد عقله، فنادت فلسفة الأنوار بإعطاء الأولوية القصوى للعقل.

وبعد ذلك نقل هذا المصطلح إلى مجالات متعددة كمجال العمارة والرقص والمسرح والتصوير والسينما والموسيقى ومجال النقد الأدبي للتأسيس على تسطح الحركة الحداثية، وهكذا يأتي مفهوم ما بعد الحداثة غامضا فضفاضا بسبب استناده إلى مفهوم الحداثة وبسبب توظيفه وإطلاقه على أمور متناقضة إلى الحد الذي يصير معه فاقدا للمعنى ومستغلقا بكيفية مضاعفة، أكثر من ذلك ترك السؤال مطروحا بإلحاح حول عصر ظهور ما بعد الحداثة وأماراتها معلقا، إلى درجة أن هناك من رفض حتى القول بمجيء عصر ما بعد الحداثة،واذا كان العمل الفني الحداثي يسعى للوصول إلى الجوهر في سبيل تحقيق خصائص وقيم فنية مشروعة بذاتها ولا تحتاج إلى تبرير من خارجها. قيم وخصائص من شأنها أن تتخطى تأثير علاقات الاختلاف والإرجاء التي كشف عنها دريدا داخل النظام اللغوي فاننا نجد ما بعد الحداثة تحاول تخريب المفهوم الفني للحداثة وتدمر الفكرة الوهمية عن العلامة باعتبارها وحدة متكاملة لا تماثل إلا نفسه كذلك تختلف ما بعد الحداثة مع الحداثة في ادعائها بأن العمل الفني يمتلك هويته الخاصة التي يحددها بنفسه. بل تشك في الحدود الفاصلة بين الفنون المختلفة فجاء العرض المسرحي المنتمي الى هذا الفضاء متمرداً على كافة الفرضيات الفنية بما في ذلك الفرضيات المقترحة من العرض المسرحي نفسه. وقد عرف المسرح العالمي، والعربي كذلك، نصوصاً وعروضاً مسرحية انبنت على الحداثية واختلفت في ما بين واقعية وطبيعية وتعبيرية ورمزية وملحمية وتسجيلية وعبثية وذلك قياساً على الجديد الذي تقدمه أو تبتكره مما يعد إزاحة لاتجاه سبقها وبناء جديداً يساير روح العصر الذي أبدعت فيه.
الا ان تيارات ما بعد الحداثة «التفكيكية» أو «اركلوجيا المعرفة» تقوم على منظومة نزع التاريخ تماماً فى ترتيب الأحداث، وهى ليست تيارات أو ممارسات مسرحية، أى اننا لم نجد تياراً مسرحياً بعنوان «مسرح ما بعد الحداثة» لكن هناك تيارات، وأنماط تفكير تسمى ما بعد الحداثة تجلت فى بعض العلوم الاجتماعية على المستوى التطبيقي انه لمن الدروس المستفادة من زمن ما بعد الحداثة انه وعلى الرغم من الانتقادات التي كانت وماتزال توجه لتيارات ما بعد الحداثة فإنها قد اكدت ان المسرح بحاجة الى تغيير وإلى اتجاهات جديدة تعدل مساره فكرياً وفنياً. إذ انه لا يمكن الاكتفاء فقط بإضافة الافكار والمضامين الجديدة إذ انه لابد لكل فكر جديد من ان يقترح شكلاً فنياً جديداً ملائماً له، عليه فإنه يصبح من الصعوبة بمكان الفصل بين الفكر المطروح في العرض المسرحي وشكله الفني.
لقد قامت الجماليات الغربية الحديثة في شكلها التجريبي على مبدأ التحرر بما هو نوع من التمرد والثورة والمغامرة، فهو تحرر من المسرح السائد كبنية قائمة غير قابلة للتغيير، وتمرد على الجماليات القديمة لتجاوزها، وثورة على المألوف والقوالب ا إن الحديث عن الجماليات المسرحية الغربية الحديثة هو في جوهره حديث عن جماليات مسرحية تجاوزت لمسرحية الثابتة التي تحد من جموح المبدع المسرحي، ومغامرة إبداعية للكشف عن حفريات الأساليب والجماليات المسرحية الجديدة؛ فكان نتيجة ذلك كله أن ظهر أفق جديد لجماليات مسرحية مغايرة ترسم ملامح أخرى للظاهرة المسرحية سواء على مستوى النص أو الإخراج أو التمثيل، وعلاقة هذه العناصر كلها بالجمهور الذي صارت تحكمه مبادئ جديدة في التلقي. ترتبط حالة المؤلف والمخرج في مسرح ما بعد الحداثة بطريقة معقّدة بالوعي حتى أن المسرح يبتعد أكثر من مجرد التصوير الى الأداء، من الأحادية الى التعددية. وكان “بيتر بروك” في مقدمة هذا الاتجاه. في الأربعة سطور الأولى من عمله إلهام الفضاء الفارغ، يذكر “يمكنني أخذ أي فضاء فارغ وأسميه مسرحاً عارياً. يسير رجلاً عبر هذا الفضاء الفارغ بينما ينظر عليه أحد، وهذا هو كل المطلوب لعمل مسرحي”.
والحدث البسيط واللافت للنظر ومع ذلك عند ملاحظة حدث في الفضاء يؤثره ويغير في الشيء الملاحظ ويحول فعله الى إبداع.
بدأت إرهاصات ثقافة ما بعد الحداثة فى العالم الغربى كانعكاس مجتمعيّ من نقطة الوعى بمشكلات الحداثة وعدم مقدرتها على مسايرة الواقع بشروطه الجديدة اقتصادياً وسياسياً وسوسيولوجيا.
ما بعد الحداثة تتصدى لتفكيك المدلول المتعالي وترى أن المعنى لا يتحقق أبداً بصورة كاملة
ونقد ما بعد الحداثة قد تمحور حول سمات النص الأدبي وحول سمات العرض المسرحي لكشف حقائق الإبداع وكيفية عملها فيه ورؤية العمل الإبداعي بوصفه جزءاً من تاريخ تطور الأدب أو الفن وتطور أشكاله وسماته.

راسل كاظم – الحوار المتمدن

Share this post