KUNDERA-4

كونديرا يقتبس النسيان من إميل حبيبي

أسامة العيسة – الحياة الجديدة

من بين أعمال إميل حبيبي، المتعددة، تكتسب المتتالية القصصية (سداسية الأيام الستة)، التي عدها بعض النقاد رواية، أهمية استثنائية في مسيرته الإبداعية، التي نشرها، مسلسلة في مجلة الجديد الحيفاوية وكان يوقع بكنيته أبو سلام، ويبدو أن حبيبي المشغول آنذاك بالعمل السياسي، لم تكن له طموحات أدبية، إلا أن الاهتمام في العالم العربي بهذه السداسية، جعله يأخذ حرفة الأدب (حسب التعبير الأثير لديه)، على محمل الجد، فصدرت السداسية في طبعات متعددة، وأصبحت احد أهم الأعمال الأدبية عن الهزيمة العربية الثانية المدوية، التي يصطلح عليها بالنكسة. وكانت فاتحة كُتب حبيبي المنشورة.
وفي فترة لاحقة، طغت شهرة (المتشائل) على السداسية، ولكن بالنسبة لكثيرين من محبي أدب حبيبي، فإنهم يعتبرونها من أجمل أعماله، التي وهي تقدم لوحات عن نماذج فلسطينية بعد حرب حزيران، تعبر عن نوازع إنسانية عامة.
جميع قصص السداسية متفردة، باسلوبها ولغتها وموضوعاتها، ولكن تبرز من بينها قصة أكثر فرادة، وهي التي حملت عنوان (وأخيرا نور اللوز)، ويتحدث فيها حبيبي عن شخص رمز له بـ الأستاذ (م) وقد يكون قصد، بهذا التنكير، أنّه يريد الإشارة إلى حالة عامة.
يذهب الأستاذ (م)، بعد احتلال الضفة في حزيران 1967، ليزور الأماكن التي حرم منها، ويصل ما انقطع مع الأصدقاء الذين عرفهم، بعد عشرين عاما من النكبة. ويتذكر وهو يتفقد الأماكن بشكل تفصيلي، أن صديقا له أحب امرأة، وانه نسي من هو هذا الشخص، بطل قصة الحب الرومانسية، التي أنهتها النكبة، فأصبح الحبيب في مكان، والحبيبة في مكان آخر.
نسي الأستاذ (م) أنه من كان بطل قصة الحب الرومانسية تلك، ورغم أنه زار بيت حبيبته، ورأى غصن اللوز الذي أعطاه إياها ذكرى لحبهما، إلا أنه لم يذكرها ولم يتذكر سبب احتفاظها بالغصن عشرين عاما.
إذا لم تكن النكبات والحروب هي من تغيرنا، وتسطو على ذاكرتنا، فمن بإمكانه أن يفعل ذلك بكل هذه السطوة.
النسيان، غير العضوي، الذي يحدث بفعل قوة غير ملموسة، باطشة، تستطيع أن تمسخ الذاكرة، هي الثيمة التي عالجها حبيبي، في قصته الرائعة، التي تأخذ أبعادا إنسانية رحبة.
بعد أعوام من نشر حببي لسداسيته عام 1967م، يأتي الروائي ميلان كونديرا، الكاتب التشيكي-الفرنسي، المنفي في فرنسا، الشيوعي المنشق، أو أي صفات أخرى، تلصق عادة به، ليكتب روايته (الجهل) وهي عن عودة بطليها في إجازة إلى تشيكوسلوفاكيا بعد سقوط النظام الشيوعي عام 1989، اثر هجرتهما منها بعد ربيع براغ، الذي أجهضته الدبابات السوفيتية.
يلتقي الاثنان مصادفة في المطار، تتذكر المرأة، حبيبها السابق، بينما هو فقد نسي قصة الحب الجامحة التي عاشها يوما ما معها قبل الاختيار الطوعي للمنفى.
يلتقي الاثنان في غرفة فندق في بلدهما الذي عادا إليه، ولكنها عودة مبتسرة، ناقصة، ومختلة، ورغم التقاءهما في ممارسة حميمة، إلا أنها لم تستطع إيقاظ ذكريات الرجل، بينما تصاب المرأة بصدمة عندما تدرك أن شريكها لا يذكرها أبدا، ولم يعرفها.
التشابه واضح في عملي حبيبي وكونديرا، أهمها بالطبع ثيمة النسيان، بفعل عامل غير محسوس، التي التقطها حبيبي، فكتب إحدى أجمل قصصه، أما كونديرا فنسج عليها رواية، تُرجمت إلى لغات عدة، ولقيت إعجاب ملايين القراء حول العالم.
ويمكن لمحبي الأدب المقارن أن يعثروا على تشابهات أخرى في العملين:
* بطل حبيبي، الذي بقي في أرضه، تحت حكم دولة إسرائيل، يعاني الخوف والغربة في وطنه، يعود ليتفقد ما فقده بسبب الحرب، بعد عشرين عاما من الاقتلاع، ولكنها عودة تحت ظل الاحتلال الذي توسع وانتصر، وتمدد ليشمل فلسطين الانتدابية، أما لدى كونديرا فان بطليه، الذين كوّنا حياتيهما في المنفى، وأصبحا ينتميان إليه، بشكل أيضا غير مكتمل، وغير ناجز، ويعانيان من الخوف والغربة، يعودان بعد عشرين عاما، إلى تشيكوسلوفاكيا الجديدة، تشيكوسلوفاكيا الرأسمالية، التي تغيرت في أيام، في عودة أيضا ناقصة. فتبدو غير الوطن الذي تركاه.
* في قصة حبيبي، البطل هو من ينسى قصة الحب، في حين أن المرأة، تحتفظ بذاكرتها، وتدهش من نسيان حبيبها، وفي رواية كونديرا، الرجل هو أيضا من يصاب بالنسيان، والمرأة هي التي تتذكر، وتُدهش وتُصدم.
*يعي كونديرا، لفضول النقاد، الذين قد يرغبون، في مقارنة روايته، بأعمال أخرى، والثيمة التي عمل عيها، فيضمن روايته فقرات عن عوليس وعودته إلى مسقط رأسه ايثاكا. ويتطرق إلى أعمال أدبية أخرى لها علاقة بالعودة، العودة الرمزية، والفعلية.
حبيبي أيضا ضمن قصته القصيرة، إحالات لأعمال كلاسيكية مثل قصة مدينتين لتشارلز ديكنز، وأحدب نوتردام لفكتور هيجو.
*في رواية كونديرا، تحرص المرأة، وهي تختار المنفى، أن تحتفظ بمنفضة سجائر، تذكرها بلحظات جمعتها مع حبيبها، وعندما تريها له، يبقي عصيا على التذكر، وفي قصة حبيبي، تحتفظ الحبيبة بغصن اللوز، الذي ينساه تماما الأستاذ (م).
كتب حبيبي قصته، وهو في ذروة انتمائه الأرثوذكسي للشيوعية، وكتب كونديرا روايته وهو معادٍ للشيوعية، ومع ذلك فان التشابه بين العملين، يلفت النظر، ولا أعرف إذا كان كونديرا قد استفاد فعلا من قصة حبيبي، التي ترجمت إلى الفرنسية (كما يذكر حبيبي في الطبعة السابعة التي صدرت عام 1985، في حيفا).
ربما المسألة تتعلق بتوارد خواطر بين كاتبين كبيرين، أو لعلها أكثر من ذلك، قد تثير اهتمام باحث في الأدب المقارن فيكشف لنا المزيد.

Share this post