916LqwGh4HL

التصَوُّر المرئي للعلم: حُجَج متشعِّبة

كيفين باديان – ناتشر العربية

عندما نُجسِّد علاقات الكائنات الحية، تتحول أفكارنا بشكل طبيعي تجاه الأشجار؛ فنرسم أشجار أنساب للعائلات، وغالبًا ما نفكر في القِرَدة العليا كجزء من عائلتنا الممتدة الكبيرة (حتى إن بعضها يعيش في الأشجار)، وتصلح الأشجار بتَشَعُّبها لفروع أصغر تدريجيًّا لأنْ تكون مثل الاستعارة البصرية لتنوع الحياة.

هذه إشكالية.. فالتنوع لم يكن معناه دائمًا التطور كما نفكر فيه اليوم. فقد وَضَع مؤلفو القرن الثامن عشر، بدءًا من عالِم الجيولوجيا تشارلز لايل إلى عالِم الطبيعة ريتشارد أوين، تنوُّع الكائنات الحية المتحجرة الأحفورية عبر طبقات من العمود الجيولوجي للأزمنة ، لكن غالبيتها لم ينظر إليها باعتبارها طفرة تطوُّرية للأنواع. وبدلًا من ذلك.. نُظر إليها كسجل لتاريخ الحياة. ولم يتم الاعتراف بالعملية المؤدية لذلك النمط، إلى أنْ نَشَرَ تشارلز داروين مؤلفه «في أصل الأنواع» On the Origin of Species في عام 1859.

أقنَع داروين الناسَ بأنّ لدى كل الكائنات الحية سلفًا واحدًا أو عددًا قليلًا من الأسلاف المشتركة، ولذا.. أصبحت الرسوم البيانية الشبيهة بالشجرة، للمرة الأولى، تمثيلات بيانية للأنساب في هذه العلاقات بصورة حرفية. ورغم أن المؤلفين في العصر الفيكتوري، الذين استخدموا شجرة الأنساب لم يكونوا دائمًا يصوِّرون العلاقات التطورية، ربما أظهروا تجانس صلة القرابة فقط. وتستطيع كل أنواع الرسوم البيانية المتصلة توحيد المخلوقات ذوات الأربع ـ وهي الثدييات من رتبة آكلة الحشرات ـ أو التي تعيش في نيوزيلندا، بدون افتراض أي علاقة نَسَب.

ينبري في الوقت الراهن كتابان يتناولان الأشجار باعتبارها وسيلة تصويرية. إذ يمزج كِتاب عالِم البيولوجيا ديفيد أرشيبالد «سلم أرسطو وشجرة داروين» Aristotle’s Ladder, Darwin’s Tree بين تاريخ الرسوم البيانية ذات شكل الشجرة مع معانيها المتغيرة، لأنها تمثل أنواعًا مختلفة من التفسير حول العلاقات. ويستكشف كتاب الأشجار Book of Trees للمصمم مانويل ليما الاحتمالات العديدة التي تقدمها تلك الرسوم البيانية في التعبيرعن الأفكار والاكتشافات، مع وجود تأكيد قوى على فاعلية استراتيجيات التمثيل البياني.

يعرض أرشيبالد كيف تَصَارَع داروين مع فكرة (ما الذي سوف يمثِّل أنساب الحياة بصورة أفضل، سواء باستعارة الشجرة، أَمْ المرجان، أَمْ أعشاب البحر التي تنقسم بصورة لا نهائية). كان المرجان جذابًا، لأنه يتمتع بالحياة في أطرافه، وبالتالي قد تمثل فروعه السفلى ـ إلى حد كبير ـ سجلًّا أحفوريًّا هائلًا ومجهولًا. ويتتبع الكِتاب أيقنة الأشجار tree iconography بالرجوع إلى روما القديمة، حيث استُخدمت لتصوير التواريخ العائلية للمواطنين البارزين، ويتتبع الأشكال المورقة ذاتها عبر الخطط المسيحية الأولى المبكرة للأنبياء والقديسين. والسؤال الآن: كيف لا يمكن لوسيلة مفيدة مثل تلك أن تصلح أيضًا لأهداف إدراكيّة عديدة جدًّا؟

بمناقشة الظاهرة الآن، يرى أرشيبالد أنه في التوليفة الحديثة للتطور ـ وهي الحركة الداروِينيّة الجديدة، التي هيمنت على النظرية التطوُّرية منذ ثلاثينات القرن العشرين ـ كانت تصنيفات الكائنات الحية فى الأصل حرة الحركة نسبيًّا. وصنَّف خبراء التصنيف الكائنات الحية في أنساق بطريقة تَعَسُّفِية، وفقًا لاختلافاتهم وأهمِّيتهم المتخيَّلَة. وهكذا، كان يمكن فَصْل البشر عن القردة العليا (الأخرى) في عائلة فرعية، أو عائلة أساسية، أو حتى نظامين مختلفين. أوضح أرشيبالد أيضًا تصنيف نظام الكلاديسيات cladistics ـ النظام الحالي البارز للنظاميات ـ الذي تكون فيه القرابة الجينيّة المعيار الأوحد لبناء شجر الحياة (كما اعتقد داروين). وفي الكلاديسيات، ينظر إلى الخصائص المتطورة حديثًا بتقدير لقدرتها على إظهار السَّلَف المشترَك لكل المخلوقات التي تمتلك هذه الخصائص «سينابومورفي» synapomorphies، مقارنةً بتلك التي لا نملكها. ويُعَدّ مخطط الأنساب cladogram ـ الذي يتخذ شكل الشجرة ـ الترتيب النهائي لمجموعات من المخلوقات، وفقًا لحيازة خصائص مشتركة، تتسم بالشفافية في بياناتها، والصرامة في منهجها.

يكمن الشيطان، بطبيعة الحال، في تفاصيل تفسير الخصائص في مختلف المخلوقات، وفي اختيار العمليات الرياضية المنتظمة، التي بواسطتها يتم وضعها في مجموعات. وهي عملية أصبحت سهلة حاليًا بفضل برامج الكمبيوتر. ويبيِّن أرشيبالد كيف أَحْدَثَ تطوُّر وسائل استخلاص وتحليل النتائج عن أوجه التشابه فى الحمض النووي (دي إن إيه) ثورةً في تصنيف النظاميات. وتُعَدّ هذه الفصول في الكتاب من ضمن أفضل المعالَجات القصيرة للموضوع في أي موضع آخر.

مع ذلك.. حتى في النظريات الراهنة السائدة تستمر حالة التخبط، لأن الرسوم البيانية الكلاسيكية التي تتخذ شكل الشجرة لم تتضمن دائمًا شجرة التطور phylogenetic trees ومخططات السلالة، فهي تنقل أفكارًا مختلفة. ويتعلم الكثير من الدراسين أن «الشجرة هي مخطط سلالة مع إلحاق الزمن بها»، لكن مخططات السلالة ما هي إلا رسوم بيانية لتوزيع الخصائص.

يمكن أن تعدّ مخططات لشجرة القرابة cladograms لألواح الشوكولاتة، أو المعدات، أو الشخصيات الكرتونية، طالما أنك توضِّح كيف قُمْتَ بتعريف السمات المشتركة «سينابومورفي» synapomorphies. وعلى النقيض، تصوِّر شجرة التطور phylogenetic tree العلاقات التطورية. وتستطيع وَضْع الأسلاف المفترَضين في فروع شجرة ما (في الغالب لم نَعُدْ نفعل ذلك، لأننا نادرًا ما نستطيع التعرف على الأسلاف المباشرين)، ولكن ليس في شكل مخطَّط شجرة السلالة. فشجرة السلالة لا تتمتع بفروع حقيقية.. فخطوطها تصل بين النقاط فحسب. ويمكنك أن تقيِّم شجرة ما بالنظر إلى الزمن الجيولوجي وتواريخ الحفريات، ويمكنك جَعْل الفروع أكثر خفة، أو أكثر كثافة لوصف تنوُّعها. وتستطيع إطالة بعض الفروع بمهارة فنية لافتراض اختلافات مؤقتة، تكيُّفِيّة، أو بيئية. فالأشجار لها قواعد قليلة.. وهكذا تظل استعارة أزليّة بالنسبة لعلماء الأحياء، تتدلى على الدوام بالتفاحة المغرية.

يُعَدّ كتاب أرشيبالد مؤلَّفًا متعدد التخصصات، موثوقًا به، مكتوبًا بمهارة، وكاملًا، ويتمتع بتقدير عميق لعلم التأريخ لموضوعاته المتعددة. وتمنيتُ وجود فصل للخاتمة، يجمع بين كل الآراء الممتعة في الكتاب، لكنْ يُعَدّ ذلك بمثابة الانشغال بتوافه الأمور. ومن الأهمية بمكان في ذلك السياق الإشارة إلى عمل عالِم الأحياء ثيودور بياتش المتكامل «أشجار الحياة» Trees of Life (مطبعة جامعة جون هوبكنز، 2012). ويقف كتاب بياتش موقفًا وسطًا بين كتابي أرشيبالد، وليما، برُسُومه التوضيحية الوفيرة، ونَصِّه الذي يأخذ منحى اقتصاديًّا، لكنه تنويريّ.

ويُعتبر مؤلَّف ليما «كتاب الأشجار» Book of Trees كتالوجًا يتضمن رسومًا بيانية من علم الأحياء، والفلسفة، والتكنولوجيا، والتاريخ، وحتى الكتب الهزلية. وليست كلها أشجار الأنساب، إذ يحتوي الكتاب على أنواع مختلفة من الرسوم البيانية المتباينة، بعضها ليس فقط في شكل شجرة بصورة واضحة، مثل خرائط المفاهيم ذات الشكل المستطيل. وبعضها يقارِن الاختلافات في العوامل المتغيرة، بل ويقيسها أيضًا بواسطة استخدام أطوال مُكَوِّنه، وكثافته، واتجاهه.

وكما يوضح أرشيبالد، استخدم داروين تقريبًا كل نوع من الرسوم البيانية الشبيهة بالأشجار في مذكراته وكتبه. ويفسِّر كتالوج ليما صور داروين التي يعيد نسخها بطريقة جميلة، لكنه لا يسهب في التحليل. وبالنسبة له، فإن قوة رسوم تمثيل البيانات تكمن في تنوُّعها، وقدرتها على توصيل المعلومات، وفي الجمال. ويُعَدّ وضوح التعبير شيئًا رائعًا، إذ تنقل المخططات الهيكلية الهندسية الانسيابية للنقاط والخطوط أبعادًا ذهنية أكثر مما يمكن للصفحة أن تعبِّر عنه حرفيًّا.

Share this post