ويستن هيو أودن

أودن يتنبّأ بأحداث الحادي عشر من سبتمبر

كتابة وترجمة تمام تلاوي – ملحق السفير الثقافي

هذه هي القصيدة ذائعة الصيت التي ردّدها كل لسان أمريكي عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر. هذه هي قصيدة ويستن هيو أودن التي تحدث بها عن أجواء الكارثة قبل حصولها بإثني وستين عاماً.

هذه هي القصيدة التي ترجمت إلى كل اللغات الحية عدا العربية، رغم مرور أكثر من خمس سنوات على اشتهارها.

ولست هنا بصدد العتب على المترجمين العرب، فأنا أحسب نفسي واحداً منهم، وأعرف أنهم قلة، وأن هنالك الكثير مما يجب ترجمته. لكن نقطة استغرابي الشديد جاءت من كون أودن واحداً ممن ترجم له الكثير، وتم تسليط الضوء عليه بقوة في الذكرى المئوية لولادته في العام المنصرم، ومن كون هذه القصيدة هي أكثر ما اشتهر من قصائده في الآونة الأخيرة، لدرجة حسبت معها أنه من المستحيل ألا تكون قد ترجمت إلى العربية حتى الآن.

لكن نتائج بحثي في المصادر وفي الكتب وفي جوجل كانت جميعها خائبة، مع أن هنالك من تطرق إلى القصيدة في بعض المقالات، كما أن هنالك من نشر لها ترجمة متجزئه وركيكة عام 2001 في إحدى الصحف.

وها أنا على أية حال أقدم هنا اجتهادي الشخصي في هذا، آملا أن تكون هذه الترجمة هي الأقرب إلى الصواب اللغوي وإلى الجمالية الشعرية، دون أن أنكر بالطبع الصعوبة البالغة التي واجهتني مع لغة أودن وأساليبه التعبيرية.

ولد أودن في يورك عام 1907، وكان الأبرز ممن أطلق عليهم اسم “شعراء الثلاثينات” في بريطانيا، فهو الشاعر الأكثر شعبية والأكثر براعة وقدرة فنية في الشعر، وصاحب القصائد الخالدة. كان يمثل واحداً من المثقفين الشيوعيين البريطانيين، وهاجر إلى أمريكا وحصل على الجنسية الأمريكية، ويقال إن هجرته تلك لم تكن هجرة بقدر ما كانت هروباً، إثر الاشتباه به من قبل المخابرات البريطانية بمساعدة أحد الجواسيس السوفييت على الهرب من بريطانيا. هذه المسألة التي لم تكن معروفة البتة، والتي تم كشف النقاب عنها مؤخراً في وسائل الإعلام البريطانية. وقد قمت بنشر هذا الملف حديثاً في إحدى الصحف العربية. في سنوات حياته اللاحقة توزعت أوقاته بين نيويورك والنمسا حيث توفي في فيينا عام 1973.

العنوان الذي وضعه أودن لهذه القصيدة هو: “الأول من سبتمبر 1939″، وهو يتحدث فيها عن الغضب والخوف ونفحة الموت البغيضة التي تنتهك ليل سبتمبر، يتحدث عن مفهوم الرب السيكوباتي، وعن أولئك الناس الذين يفعلون الشر لأنه مورس عليهم من قبل، يتحدث عن الديكتاتورية المقنعة بالديموقراطية، وعن وجه الإمبريالية الذي يحدق إلى نفسه خارج المرايا، يتحدث عن ناطحات السحاب العمياء التي تتلمس طريقها إلى السماء، وعن الوطن الأشبه بغابة مسكونة بالجن، عن القادة الأغبياء وعن الجوع والأكاذيب التي تملأ العالم، لكنه يتمنى في النهاية أمنية ملتبسة تتطابق في تفسيرها مع صورة الحدث المروع في سبتمبر, إنه يتمنى أن يصبح ذلك اللهب الأكيد المحاصر باليأس والإنكار.

صحيح أن أودن كتب قصيدته إبان الغزو الألماني لبولندا، لكن، هل هي مجرد مصادفة يا ترى أن تتألف هذه القصيدة من تسعة مقاطع؟ هل هي مصادفة أن يتألف كل مقطع من أحد عشر سطراً؟ لا أعلم حقاً، لكن ما أنا متأكد منه أن الكارثة التي غيرت وجه العالم، قد حدثت في الحادي عشر من الشهر التاسع. وما أعرفه أن هذه القصيدة يمكن قراءتها على أكثر من وجه، وبعدة مستويات دلالية، ومن مختلف وجهات النظر، التي منها ما يتطابق مع المفاهيم المعرفية للإنسان الأمريكي، ومنها ما يتطابق مع مفاهيم المتطرف الذي انصهر جسده في لهب “منهاتن”، ومنها ما يتطابق مع ما بينهما من مفاهيم.

لكن أودن بلا شك يتقاطع مع جميع الأطراف عندما يقول للجميع في القصيدة: “فلْيُحِبّ أحدُنا الآخرَ أو فلْيَمُتْ”.

المهم في النهاية، برأيي الشخصي، أن هذه القصيدة تنتمي بشدة إلى الشعر الحقيقي الحيّ، وتتطابق بشدة مع رؤيا الشاعر الحقيقي، أودن، المكتظ بالأحاسيس الرهيفة، وباللغة الفارهة، والمشحون بالمخيلة الرائية، الحوامل التي رفعت هذياناته هذه، إلى مصاف النبوءات العظيمة.

الأول من سبتمبر 1939

أجلسُ في إحدَى الحانَاتِ الرّخيصَةِ

في الشّارعِ الثاني والخمسين

مُرتبِكاً وخائِفاً

فيما الأماني الجميلةُ تلفظُ أنْفاسَها

في هذا العِقدِ الحقيرِ الكئيبِ من السنوات..

أمواجٌ من الغضبِ والخوفِ تغطّي الفرح

وتطغى بظُلمتِها على مساحاتِ الأرض

مُقلِقةً حياتَنا السريّةَ،

فيما نفحةُ الموتِ البغيضةِ

تنتهِكُ ليلَ سبتمبر.

 

بإمكانِ الدّارسِ المدقِّقِ

اكتشافُ الجريمةِ كلِّها

منذ “لوثر” حتى يومِنا هذا

ذاك الذي قادَ الثقافةَ نحو الجنون.

انظر ماذا حدثَ في “لِينز”،

أيُّ صنيعةٍ يافعةٍ هائلةٍ

ذلك الربُّ السَيكوباتيّ:

نعلم أنا والناس

كل ما يتعلّمُه أطفالُ المدارس،

إنَّ أولئكَ الذين يُمارَسُ عليهِم الشرُّ

سيفعلونَ الشرَّ بالمقابل..

 

لقد عرَفَ “ثوسيديدز” المنفيُّ

كلَّ ما يمكنُ أنْ يقولَهُ

خِطابٌ ما عن الديموقراطية

عرَفَ ماذا يفعلُ الديكتاتوريون

أولئكَ العجائزُ حثالةُ الناسِ

الذين يتحدثون إلى قبرٍ باردٍ،

لقد حلَّلَ كلَّ هذا في كتابِهِ:

التنويرَ الذي سيق بعيداً إلى غيرِ رجعةٍ

الألمَ الذي أدمَنَّاه

الإخفاقَ وسوءَ التدبير:

كل هذا يجب أنْ نعانِيهِ مرّةً أخرى.

 

في هذا الهواءِ الحِياديِّ

حيثُ ناطحاتُ السحابِ العمياءُ تستخدمُ

كاملَ ارتفاعاتِها كي تنادي

بقوّةِ الرجالِ المتَّحِدِين،

وبكلِّ لغةٍ تتدفّقُ بعجرفتِها

وبازدحامِ الأعذار:

من الذي يستطيعُ العيشَ طويلاً

في حلمٍ سعيد!

وهما يحدّقانِ خارجَ المرايا:

وجهُ الإمبريالية

والخلَلُ العالميّ..

 

الوجوهُ على امتدادِ البارِ

ملتصِقَةٌ بأيّامِها العاديّةِ:

الأضواءُ يجبُ ألاّ تنْطفئ

الموسيقى يجبُ أنْ تبقى دائماً

إن كلَّ المعاهداتِ تتآمرُ

لجعلِ هذا المَعقِلَ مُتخَيَّلاً بأثاثِ الوطن

مخافةَ أنْ نرى أينَ نحن

-كما يجبُ أنْ نفعل-

نحنُ الضائعونَ في غابةٍ مسكونةٍ بالجِنِّ

نحنُ الأطفالُ الخائفونَ من الليل

الذينَ لم يكونوا يوماً سعداءَ أو بصحةٍ جيّدةٍ.

 

المقاتلونَ همُ القمامةُ المعرَّضَةُ للريح

والأشخاصُ المُهِمُّون يصرخون.

ألم يكنْ بسيطاً جداً كأمنياتِنا

ما كتَبَهُ “نيجينسكي” المجنونُ

حولَ “دياغيلف

كان صحيحاً بالنسبةِ للقلوبِ الطبيعيّةِ

أنَّ الخلَلَ يتناسَلُ في عِظامِ

كلِّ رجُلٍ وكلِّ إمرأة

وأنَّ القبورَ لا يمكنُها أنْ تحتوِيه،

ما مِنْ عشقٍ كونيٍّ

ما لمْ يكُنْ عِشقاً وحيداً.

 

من الظلامِ المُحافظِ

إلى الحياةِ الأخلاقيَّةِ

يأتي قادَةُ التغييرِ البُلَهاء،

مُكرِّرِينَ عهودَهم الصباحيّةَ،

“سأبقى مخلصاً للزوجة،

سأركّزُ على عمَلي أكثر”

هؤلاء الحكّامُ العاجزونَ يسهرون

ليستأنفوا لُعبَتَهم مُجبَرينَ عليها..

من يستطيع أن يحرّرَهم الآن،

من يستطيع إسماعَ الأصَمّ،

من يستطيع التحدّثَ إلى الغبيّ؟

 

كلُّ ما أملكه هو الصوت

لأفكِّكَ الكِذْبةَ المعقودَةَ،

الكِذبةَ الرومانتيكية

في عقلِ الرجُل الشهوانيّ في الشارع

وكِذبةَ السُّلْطة

وكِذبة الأبنيةِ وهي تتلمَّسُ طريقَها إلى السماء:

ليس ثمّةَ شيءٌ يماثلُ الدولةَ

وليس هنالك مِنْ كائنٍ يعيشُ وحيداً،

فالجوعُ لا يتركُ خياراً آخرَ

للمواطنِ أو لرجُلِ الشرطة،

فلْيُحِبّ أحدُنا الآخرَ أو فلْيَمُتْ.

 

 

الاقتتال تحتَ جنح الظلام

والأكاذيبُ الباعثةُ على الخَدَرِ في عالمِنَا هذا،

ما تزالُ تومضُ في كلِّ مكان.

فيما النِّقاطُ القويّةُ للضوء

التي تومِضُ حيثُ يكونُ العَدل

تُبدِّلُ رسَائِلَهُمْ:

ترى هل أقدِرُ أن أكونَ مثلَ هذهِ الرسائل

مكتُوباً بالشّهْوةِ والغُبَار

مُحاصَراً بذاتِ الإنكار

وبذاتِ اليأس،

إنّما،

مُشتَعِلاً بالّلهَبِ الأكِيد..

 

*نُشِرتْ القصيدة سنة 1940.

Share this post