Citizenkane

نقد سارتر وبروخيس لـ”المواطن كين”.. ورد أورسن ويلز عليهما

ترجمة وإعداد: التحفجية 

في عام 1945، بعد عرض فيلم “المواطن كين” بـ4 سنوات كاملة، علّق جون بول سارتر على الفيلم قائلا:

“قد يكون الفيلم ممتعا للجمهور الأمريكي، لكن بالنسبة لنا الفيلم يمر مرور الكرام، الفيلم كله مبني على فهم خاطئ للهدف الرئيسي من وراء السينما، الفيلم كله في صيغة الماضي. “أنا من يقبّل، أنا الفتاة التي يتم تقبيلها.. أنا الهندي المطارد، أنا الرجل الذي يطارد الهندي”.. فيلمٌ في صيغة الماضي هو نقيض السينما تماما، لذا فـ”المواطن كين” ليس سينما”.

 

أما في عام 1941، في نفس سنة إنتاج الفيلم، كتب خورخي لويس بورخيس تقييمه للفيلم:

“فيلم Citizen Kane، له خطي أحداث، الأول؛ مبتذل.. يحاول استجداء التصفيق من الأغبياء: مليونير تائه يجمع التماثيل، الحدائق، القصور، حمامات سباحة، الماس، السيارات، المكتبات، وحتى الرجال والنساء.

كجامع تحف من زمن قديم، يكتشف أن الوفرة في تشكيلته المتنوعة هي قمة الغرور والعجرفة الفارغة، وفي لحظة الوفاة.. يشتاق لشيءٍ واحدٍ فقط في كل الكون، الزلاجات المتواضعة التي كان يلعب بها في صغره.

أما الخط الثاني فهو أسمى بكثير؛ فهو يربط بين “سِفْر الجامعة”  وبين ذاكرة عدمي آخر، فرانز كافكا.

فهي بشكلٍ ما قصة تحري ميتافيزيقية، موضوعها –نفسيا ومجازيا- هو التحقيق في ما بداخل نفس البطل، أعماله التي صنع، كلامه الذي قال، الأشخاص الكثر الذين دمر حياتهم.

نفس الطريقة اتبعها جوزيف كونراد في رواية Chance، وفي هذا الفيلم الجميل.. “الفخر والمجد”: قصيدة ملحمية من مشاهد مشكلة بلا أي ترتيب زمني.. بطاقة جبارة، لا نهائية يعرض لنا أورسن ويلز مقتطفات وشظايا من حياة رجل، تشارلز فوستر كين، ويدعونا لتجميعها وإعادة تكوين “كين”.

ولكن الفيلم بشكل أو آخر فيه شىء من التعددية وعدم الانسجام، فالمشاهد الأولى من الفيلم تعرض الثروات التي امتلكها “كين”، بينما تظهر في أحد المشاهد الأخيرة سيدة فقيرة تلعب لعبة البازل فى قصر ضخم تحول إلى متحف. وفي النهاية ندرك كمشاهدين أن تلك المشاهد المتقطعة لا يحكمها قانون وليست منسجمة.

شخصية كين –المكروهة- هي نفسها صورة أو مظهرٌ يتضح في النهاية أنه فوضوي (وهذا ما استتجه أيضاً ديفيد هيوم، إرنست ماخ، وماسيدونيو فيرنانديز .. لا أحد يعرف من هو، والكل لا أحد).

وفي أحد أعمال “تشيسترسون”، “رأس قيصر”  -كما أذكر- تدرك الشخصية الرئيسية أن أكثر ما يخيف على الإطلاق هو المتاهة التى ليس لها محور، فيلم “المواطن كين” هو تحديداً تلك المتاهة.

فالكل يعرف أن الحفلات، القصور، حفل عشاء لمجموعة من الكتاب و الصحفيين، أي حدث كبير هي بالأساس شيءٌ مريعٌ. وما يميز الفيلم أنه الأول الذي يصور تلك الحقيقة بوعي تام.

الإنتاج الضخم يليق مع أهمية موضوع الفيلم. والصورة السينمائية شديدة العمق فهناك لقطات شديدة الدقة والتفصيل، وخاصة فى اللقطات القريبة تشبه لوحات مجموعة الـ Pre-Raphaelite  في عنايتها بالتفاصيل.

مع ذلك، أتنبأ أن الفيلم سيعيش طويلًا، وستكون له قيمة تاريخية (كأفلام جريفيث  وبادوفكين  ) –تلك الأفلام التي لا يمكن إنكار قيمتها التاريخية ولكن لا أحد يهتم أن يشاهدها مرة أخرى-.

الفيلم عملاق، غامض وممل. الفيلم ليس ذكيا، مع أنه من صنع العبقرية، بكل ما تحمله الكلمة القبيحة من بشاعة وظلام”.

جاء رد أورسن ويلز على سارتر وبورخيس متأخرا قليلا، فبعد مرور 42 عاما على كلام بورخيس، قال أورسن ويلز في لقاء مع المخرج هنري جاجلوم، حين سأل هنري عن رد فعل الجمهور الإنجليزي على الفيلم، قال أورسن:

“لم يكن صدى الفيلم ضخما في إنجلترا، لم يعجب الجمهور، بعض الناس قالوا عن أنه “يشبه كثيراً أعمال بورخيس”، لطالما عرفت أن بورخيس نفسه لم يعجبه الفيلم، فهو وصف الفيلم بالممل، وهذا غريب جداً، ووصفه أنه كمتاهة ليس لها محور ولا سبيل للخروج منها.

واستطرد أورسن ويلز “بورخيس نصف أعمى، دعنا لا ننسى ذلك، لكن أتدري يا هنري، يمكنني فهم الأمر بتلك الطريقة، بروخيس وسارتر ببساطة يكرهون “كين”.

في عقليهم، كانا يريا –ويهاجما- شيئا آخر، المشكلة منهما وليست من الفيلم.

Share this post