Yukio

نوافير في المطر “قصة مترجمة”

يوكيو ميشيما* – ترجمة كامل يوسف حسين – مجلة العربي
غمر التعب الفتى من جراء التجوال تحت المطر, مصطحبا معه هذه الفتاة, التي ما كانت لتكف عن البكاء, والتي أثقلته كأنها شيكارة رمل.

كان قد أبلغها قبل لحظات, في مقهى بمبنى مارونوتشي, بأن كل شيء قد انتهى بينهما. وكانت تلك هي المرة الأولى في حياته التي أبلغ فيها فتاة بإنهاء صلته بها. وقد كان هذا شيئا طالما داعب خياله, والآن ها هو ذا قد أصبح واقعا.

لذلك السبب وحده كان قد أحب الفتاة, أو تظاهر بأنه يحبها, ولذلك السبب وحده لاحقها بدأب, وسعى يائسا إلى فرصة الانفراد بها. وأخيرا تمكن اليوم, بعد اكمال كل الاستعدادات, وبعد أن أصبح هو نفسه مؤهلا الآن لذلك, من التفوه بتلك الكلمات: (كل شيء قد انتهى), الكلمات التي تطلع إليها طويلا وبشغف, لينطقها بشفتيه, مثلما يصدر ملك أمرا, كلمات يمكن بمقتضى نطقها وبأسها أن تشق السماء شقا, كلمات احتفظ في شغف من خلالها بحلمه بأنه سيفعل ذلك حيا, ومع ذلك فإنه طوال الوقت ركن على وجه التقريب إلى أن هذا, في واقع الأمر, لا يمكن له أن يحدث, إنها أكثر الكلمات بطولة, أكثرها تألقا في الدنيا, والتي تحلق إلى عليين مثلما سهام انطلقت من قوس, ساعية إلى هدفها مباشرة وبلا التواء, كلمات طلسمية لا يسمح بنطقها إلا لرجل معدود بين الرجال, لأفضل أنواع الأشخاص, (كل شيء قد انتهى).

غير أن أكيو لم يستطع الحيلولة دون شعوره بالأسف على أنه قد جعل عبارته أبعد ما تكون عن الوضوح, بحشرجة مخنوقة صادرة من جوفه, كأنما هو مصاب بالربو علق البلغم بزوره, فلم يؤت ثمرته المرجوة ماء الصودا الذي نهل منه ليجعل زوره سالكا.

خشي أكيو في ذلك الوقت أكثر من أي شيء آخر ألا تدرك الفتاة ما قاله, لسوف يكون الموت خيرا من أن تطلب منه أن يكرر ما قاله, عندما تنجح الإوزة, التي أصابها الهوس على امتداد سنوات بأن تضع بيضة ذهبية, في القيام بذلك في نهاية المطاف, لا لشيء إلا لتنكسر منها قبل أن يتمكن رفيقها من رؤية تلك البيضة, فليس بمقدورك أن تتوقع أن تضع بيضة أخرى بعد ذلك بدقيقة.

غير أنه من حسن الحظ أنها كانت قد سمعته. ولأنها قد سمعت ما قاله على وجه الدقة, الأمر الذي يجعل التكرار غير ضروري, ما كان يمكن إلا أن يعتبر حظا طيبا على نحو بالغ الوضوح, فها هو أكيو أخيرا يمضي قدما على قدميه مجتازًا المضيق الواقع عند قمة الجبل التي طالما حدق فيها من بعيد.

قُدم له برهان جلي على أنها قد سمعته في اللحظة التالية, مثل علكة تطير خارجة من ماكينة للبيع.

كانت النوافذ قد أُغلقت بإحكام في مواجهة المطر, وترددت في أرجاء القاعة كلها أصداء أصوات الزبائن الآخرين حولهما وقرقعة الأطباق وجرس صندوق النقود, وإذ احتجزت داخل القاعة فقد ترددت برهة مع صوت قطرات الماء الرطبة على ألواح النوافذ الداخلية, فتعالت ضجة أحاطت الذهن بالضباب. في اللحظة التي بلغت كلمات أكيو الملتبسة مسامع ماساكو عبر هذه الضجة, اتسعت عيناها النجلاوان, اللتان بدا أنهما تتجاوزان بقوة أي قسمة أخرى من قسمات وجهها الناحل, المكتئب. لسوف يكون أفضل أن نصفهما بأنهما نوع من الإخفاق, الإخفاق في التحكم, مقارنة بالقول إنهما عينان. فجأة تدفقت الدموع منهما.

ليس معنى هذا القول أن ماساكو قد أظهرت أي مؤشر دال على أنها توشك على البدء في النشيج, كما أنها لم تنخرط في الشكوى أو التذمر. وكل ما حدث هو أن الدموع قد انبثقت تحت ضغط مائي, وبدا محياها مجردا من أي تعبير.

لم يقدر أكيو, بالطبع, خطورة الموقف حق قدرها, وافترض أنه بمثل هذا القدر والضغط الكبيرين, فإن الدموع سرعان ما ستتوقف. ومضى يرقبها عن كثب, فألفى نفسه مفتونا ببرودة مشاعره التي تشبه النعناع. لم يكن هناك شك في أن هذا هو ما كان قد خطط له من قبل, وأوجده, وجلبه إلى أرض الواقع, وأنه كان يوحي بقليل من النزعة الآلية, لكن النتيجة النهائية كانت رائعة.

حدّث الفتى نفسه مجددا بأنه اختلى بها ليرى هذا على وجه الدقة.

(لقد ظللت متحررا من ربقة الرغبة طوال الوقت).

الآن كان محيا هذه الفتاة الذي غمرته الدموع أمامه واقعا! ها هنا (امرأة مهجورة) أصلية, حقيقية, امرأة نبذها وتخلى عنها.

مع ذلك كان دفق الدموع لا يزال يتدافع وقتا أطول مما ينبغي, من دون أدنى مؤشر للتوقف. فبدأ الفتى يشعر بعدم الارتياح في هذا المكان العام.

كانت ماساكو, وهي لا تزال مرتدية معطفها الواقي من المطر, ذا اللون الفاتح, قد جلست مستقيمة الظهر في مقعدها. وكان بوسعه أن يرى ياقة قميصها الخارجي الفضفاض الأحمر ذي النقش المربع تحت طيات صدر المعطف. وبدت يداها اللتان استندتا إلى حافة المائدة متوترتين قبالتها, ولاحت جلستها متصلبة وبلا حراك.

كانت في غمار تحديقها للأمام مباشرة قد تركت دموعها تتدفق, فانهالت بلا توقف. ولم تند عنها حركة لالتقاط منديلها وتجفيفها. ومضت تلتقط أنفاسها بصعوبة, محدثة صوتا منتظما يشبه صرير حذاء جديد. وعلت شفتها السفلى التي لم تجملها بأحمر الشفاه بطريقة طلابية غير مألوفة شفتها العليا بصورة فجة, وارتعشت.

مضى رواد المطعم الأكبر سنا يرمقونهما ببعض الاهتمام. وساور أكيو أخيرا وبعد طول انتظار شعور بأنه قد انضم إلى صفوف مجتمع الكبار, ومع ذلك فقد كانت عيون الكبار هذه هي نفسها التي مضت الآن تهدد ذلك الشعور.

لم يستطع أكيو حقا منع نفسه من الشعور بالانزعاج حيال هذا التدفق الهائل للدموع, حيث لم يقل لحظة واحدة ضغط الدمع ولا انهماره. وإذ استبد به التعب, فقد انتقل بنظرته المحدقة إلى أسفل, ولاحظ طرف مظلته التي استندت إلى مقعد. وأحدث ماء المطر المتقاطر منها بريكة سوداء على القرميد عتيق الطراز الذي تألفت منه الأرضية الفسيفسائية. وبدا له أن هذه هي دموع ماساكو أيضا.

أمسك فجأة بفاتورة طعامهما, ونهض واقفا.

كانت أمطار يونيو قد همت على مدى ثلاثة أيام في طوكيو. وعندما غادر مبنى مارونوتشي وفتح مظلته, تبعته الفتاة من دون أن تنطق ببنت شفة, ولم تكن لديها مظلة, فلم يجد مناصا من أن يشركها معه في مظلته. وعند هذا المنعطف اكتشف ـ من دون أن تتقلص برودة قلبه ـ الممارسة التي درج عليها الكبار والمتعلقة باهتمام المرء بالمظاهر, وبدا الآن أن هذه الممارسة قد أصبحت بصورة كاملة جزءا لا يتجزأ منه. وبعد أن طرق موضوع افتراقهما, اعتبر المشاركة الرومانسية تقليديا في مظلة واحدة مجرد تنازل شكلي, فهو لم يترك أي شك فيما يتعلق بموقفه, وكان عدم ترك أي شك في هذا الصدد أمرا يلائم طبيعته, أيا كان الشكل المراوغ الذي اتخذه ذلك.

تمثل الشيء الوحيد الذي راح الفتى يفكر فيه, وهو يمشي على الرصيف العريض نحو القصر, في المكان الذي يمكنه فيه التخلص من هذا العبء الصارخ.

(أتساءل عما إذا كانوا يطلقون العنان لمياه النوافير في الأيام المطيرة).

راح يفكر في السر في أن النوافير خطرت بباله. وقبل أن يخطو خطوة أو خطوتين أخريين أو ثلاث خطوات أدهشته الطرافة العفوية لما كان يفكر فيه.

فيما هو يحتمل الملمس الموحي بملمس الزواحف لمعطفها الذي بلله المطر, عندما احتك بها بخشونة وبرود, مضى ذهنه يلاحق ـ على نحو مرح كما يمكنك القول تقريبا ـ هذا الرمز المضحك.

(تلك هي المسألة! نوافير في المطر! لسوف أراهن عليها في مواجهة دموع ماساكو. بل إن ماساكو يتعين أن تأتي في المرتبة الثانية بعدها. أولا وقبل كل شيء فإن مياهها يجري تدويرها, ولذا فإن ماساكو لا يمكن أن تنافسها, حيث إن الدموع التي تذرفها تفقد, ومن المؤكد أنها ليست ندا لنافورة يجري تدوير مياهها, ما من سبيل إلى ذلك. وهذه اللوّامة الصغيرة سوف تستسلم وتكف عن البكاء. يمكنك أن تراهن على ذلك. ولسوف أتخلص من هذا العبء بشكل من الأشكال. والسؤال الوحيد هو: هل يبقون على مياه النوافير متدفقة حتى عندما ينهمر المطر?).

واصل السير صامتا, وصاحبته ماساكو مذعنة, وقاسمته المظلة وهي لا تزال عاكفة على البكاء. لسوف يكون التخلص منها صعبا, ولكن اصطحابها حيثما يريد سيكون على قدر كاف من السهولة واليسر.

ساوره الشعور بأن جسمه بأسره مبلل من جراء المطر والدموع. كانت ماساكو بعيدة عن الابتلال, وهي تنتعل حذاءها الأبيض طويل العنق. أما بالنسبة له هو الذي يرتدي حذاء شبيها بالموكاسان فإن جوربيه كانا يشبهان عشب البحر المبتل.

كان لا يزال هناك بعض الوقت قبل أن توصد كل المكاتب أبوابها. وكانت حركة المارة على الرصيف عشوائية ولا يشوبها التعجل. عبرا الشارع عند أحد التقاطعات, وسارا نحو جسر واداكورا المفضي إلى القصر. وقف عند طرف الجسر بحواجزه وقوائم سياجه الزخرفية عتيقة الطراز, فاستطاع أن يرى عبر المطر طيور التم وهي تنزلق في مياه خندق القصر إلى يساره, وإلى اليمين عبر الخندق صفوف المقاعد الحمراء ومفارش الموائد البيضاء الخاصة بقاعة طعام فندق القصر عبر زجاج النوافذ التي غبّشها المطر. اجتازا الجسر, ومرا بين أسوار حجرية سامقة, انعطفا يسارا, فأقبلا على حديقة ذات نوافير.

لم تنبس ماساكو ببنت شفة, وواصلت الانخراط في البكاء.

كانت هناك تعريشة كبيرة في مدخل الحديقة ذات سقف من البوص تتدلى من سقفها, وقدمت المقاعد الخشبية المنتشرة تحتها بعض الحماية من المطر. وهكذا جلس أكيو ومظلته لا تزال مرفوعة. جلست ماساكو مشيحة عنه إلى حد ما, وهي لاتزال تبكي, بحيث إن كل ما كان بوسعه رؤيته كان كتف معطفها الواقي من المطر ذي اللون الأبيض تحت أنفها وشعرها المبتل. تناثرت قطيرات رقيقة بيضاء يقاومها مرهم عطري على شعرها. وبدا لأكيو أن ماساكو الباكية قد تهاوت, بعينين ذاهلتين, في غمار نوع من الغيبوبة, وأحس فجأة بدافع قوي يحدوه إلى أن يجتذب ذلك الشعر وأن يعيدها إلى رشدها.

استمر نشيج ماساكو. وبدا جليا له أنها تنتظر منه أن يقول لها شيئا ما. وقد كانت هذه المعرفة هي على وجه الدقة التي أثارت غيظه, وحالت بينه وبين الحديث. وخطرت له خاطرة قوامها أنه لم يقل شيئا على الإطلاق منذ أن تفوه بإعلانه الموجز.

في البعيد, مضت النوافير تنثر المياه بقوة في الهواء, لكن ماساكو لم تلحظها.

من حيث جلس هذا الثنائي بدت ثلاث نوافير مختلفة الأحجام كأنما كل منها تعلو الأخرى. كان خرير الماء الذي أغرقه انهمار المطر خافتا وبعيدا. انطلقت دفقات من الماء في كل الاتجاهات, فبدت للدنيا بأسرها مثل أنابيب زجاجية ملتوية, فيما الرذاذ يفقد تحدده لدى النظر إليه من بعيد. لم تكن العين لتقع على أحد في أي اتجاه. بدت خضرة العشب على هذا الجانب من النوافير والسياج المتخذ من قضبان مضفرة مع الأغصان والقصب والذي يعلوه نبات الأزالية مثقلا بالمطر ومتوهجا بالحيوية.

غير أنه على الجانب الآخر من الحديقة كانت أوعية الشاحنات وأسقف الحافلات ـ حمراء, بيضاء, صفراء, تنطلق جيئة وذهابا بلا انتهاء. وكان بمقدوره أن يرى بوضوح الضوء الأحمر عند تقاطع الطرق, ولكن عندما التمع الضوء الأخضر تحته اختفى مباشرة وراء رذاذ ناثرات الماء في النوافير.

جلس الفتى هناك, موغلا في الصمت, وقد دهمه حنق يفوق الوصف, فالطرفة التي كانت مسلية بالنسبة له قبل لحظات تبددت.

لم يكن على يقين من طبيعة ما ينصب عليه غضبه, فقبل وقت جد قصير كان يستمتع بشعور محلق عاليا بأنه لا يقهر. أما الآن فإنه يستهجن فشلا يستعصي على التحديد. ولم يكن عدم التخلص من ماساكو التي لا تكف عن البكاء يشكل فشله بأسره.

كانت خواطره التي تدور حولها متعالية كعهدها.

(لو أنني كانت لي رغبة في ذلك لدفعتها إلى بركة النافورة, وتراجعت مسرعا, ولانتهى الأمر عند هذا الحد).

غير أنه إذ ووجه بهذا المطر الذي لف نفسه حوله, بهذه الدموع, وبهذه السماء التي ملأها المطر حتى غدت شبيهة بسور, فإن إحساسه بالفشل كان مطلقا, فأطبق عليه بعشرة أمثال قوته, وحول حريته إلى شيء بلا جدوى على الاطلاق.

غدا الشاب الغاضب الآن شكسا ومتذمرا فحسب إلى أبعد الحدود, ولن يساوره الشعور بالرضا الا بعد أن يجعل ماساكو تتبلل في المطر ويملأ عينيها بمرأى النوافير.

نهض واقفا فجأة, وانطلق يعدو من دون أن يلقي نظرة إلى الوراء, وراح يجري مسرعا على امتداد الممر الحصبائي المرتفع الذي يحيط بالممشى الملتف حول النوافير, وتوقف عند الموضع الذي يمكنه منه أن يشاهد النوافير بكاملها.

أقبلت الفتاة تعدو عبر المطر. ولم يكن بمقدورها إلا بالكاد أن تتوقف من دون أن ترتطم به, وتشبثت بمقبض المظلة التي كان يرفعها عاليا. وبدا محياها الذي بلله المطر والدموع في بياض الطباشير, وتلاحقت أنفاسها.

– إلى أين تمضي?

ربما لم يكن من المتوقع أن يرد عليها, لكن الكلمات صدرت عنه متدافعة, كأنما كان ينتظر في شغف هذا السؤال منها.

– لسوف تنظرين إلى النوافير. انظري إليها, إنك لست ندا لها مهما حاولت!

عندئذ راحا, وقد مالت المظلة جانبا وغمرهما السلام الذهني النابع من عدم اضطرار أحدهما للنظر في عيني الآخر, يحدقان في النوافير الثلاث, وقد بدت الوسطى أكبر على نحو ملحوظ من الاثنتين المحيطتين بها, اللتين كانتا أصغر إلى حد ما, مثل تمثالين للبوذيساتفا يحيطان بتمثال لبوذا.

لأن النوافير والبركة كانت في اضطرام مستمر, فقد كان من المستحيل على وجه التقريب رؤية المطر المنهمر وهو يتساقط بالفعل في الماء. وكان كل ما بمقدورهما سماعه وهما واقفان هناك, وعلى نحو ملغز, هدير السيارات البعيد بين الفينة والأخرى الذي ينطلق في نوبات متباعدة, ولأن خرير الماء في النوافير كان متداخلا على نحو بالغ الرهافة في الهواء, فقد بدا الأمر على وجه التقريب كما لو أنه محبوس بإحكام في تضاعيف صمت تام, على الرغم من أنك يمكنك سماعه إذا أصخت السمع.

انبثق الماء أولا خفيفا, وتناثر في الحوض الجرانيتي الأسود الهائل, وإذ يتجاوز الحافة السوداء, فإنه يتساقط في نمط نثاري متباعد.

انبثق نبع عملاق من الماء مندفعا عاليا من وسط الحوض في حماية ست انبجاسات طويلة مقوسة من الماء المتدفق على نحو متألق.

وإذ راح الفتى يرقب المشهد بعناية, فقد كان بمقدوره أن يرى أن انبثاق الماء لم يحتفظ بارتفاع مستمر وثابت. لم تكن هناك رياح بصورة عملية, ولذا فقد اندفع الماء عاليا ومباشرة من دون أن يؤثر عليه شيء نحو السماء الرمادية المتخمة بالمطر. غير أن ذلك لم يعن أن قمة الماء كانت على الارتفاع نفسه على الدوام, ففي بعض الأحيان كانت اندفاعة من الماء تنطلق عاليا من دون توقع, متناثرة إلى قطيرات عند ذروتها ومتهاوية إلى البركة.

حجب الماء قرب القمة السماء المتخمة بالمطر والمحتجبة هونا وراءه, وإذ بدت المياه حبلى بالانعكاس, فقد اتخذت مسحة رمادية مبيضة, جعلتها أقرب إلى الذرور منها إلى المياه عند هامشها. وحوالي رذاذ الماء المندفع تراقصت جزيئات في حجم ندف الثلج البيضاء متألقة, وبدت أمام الدنيا بأسرها شبيهة بعاصفة من الثلج والمطر.

غير أن أكيو لم تفتنه الانبجاسات الرئيسية الصادرة عن النوافير بقدر ما فتنه مشهد الماء حولها وهو يرسم أقواسا فيما هو يندفع في أنصاف أقطار تشبه الشعاع.

هزت تلك الأقواس المنبعثة بصفة خاصة من النافورة الكبرى في الوسط معرفتها البيضاء المائية في كل الاتجاهات, وتقافزت عاليا عبر الحافة الجرانيتية السوداء, رافعة نفسها على نحو بطولي وبلا هوادة فوق سطح البركة.

مضى يرقب اندفاع الماء المختلط الذي لا يتوقف, وقد أوشك فؤاده على الضياع في هذا الاندفاع. هذا القلب الذي كان مستقرا في أمان بين ضلوعه فتنه الماء قبل أن يحيط بذلك علما, واعتلى تلك الاندفاعات المائية, وأرسل محلقا عبر الهواء.

كانت استجابته هي ذاتها عندما تطلع إلى أعمدة الماء.

عند النظرة الأولى, بدت كل انبجاسة كبيرة ساكنة على وجه التقريب كنموذج صلصالي صيغ من ماء, ولم تكن هناك ذرة واحدة في غير موضعها, غير أن نظرة فاحصة كشفت روح الحركة النقية المندفعة عاليا بلا انتهاء في داخل العمود, وقد ملأت الفراغ الاسطواني بسرعة محمومة, حيث تبدأ من القاعدة وتعوض في التو أي نقص, وتحافظ بصورة مستمرة على هذا الإشباع. وكان يعرف أن سموق السماء سيحبطها, ولكن كم هو رائع دأب القوة التي تبقي على هذا الإحباط المستمر!

لقد أحضر الفتى الفتاة إلى هنا ليريها النوافير, ولكنه هو الذي سمره الصوت في موضعه تماما ووجده رائعا للغاية, وفيما ذلك يحدث اجتذبت عيناه إلى مستوى أعلى, إلى السماء التي كان المطر يهمي منها.

ابتلت جفونه بالمطر.

حجبت سحب كثيفة فوقه مباشرة السماء عن عينيه, وتواصل انهمار المطر الغزير بلا توقف. كان المطر في كل مكان, وبعيدا إلى أقصى ما يمكن للبصر أن يبلغه. وكان المطر على وجهه هو نفسه تماما المطر على أسطح البنايات القرميدية والفندق البعيد. وكان وجهه المتألق الذي كانت لحيته لا تزال خفيفة بعد والأرضيات الأسمنتية الخشنة التي تعلو الأسقف المهجورة للبنايات في كل مكان ما بعيدا, كل ذلك لا يعدو أن يكون سطوحا لا تبدي مقاومة تعرضت للمطر نفسه. وتحت المطر, على الأقل, كانت وجنتاه والأرضيات المتسخة للأسطح تبدو كما لو كانت قطعة واحدة.

اكتسحت صورة النوافير الماثلة أمام أكيو وعيه بقوة. ولم يعد بمقدوره الآن إلا التفكير في نوافير المطر باعتبارها تكرر مرارا وتكرارا نوعا من اللاجدوى التافهة.

عندما طرأت هذه الخاطرة على باله, نسي الطرفة السابقة والغضب الذي أعقبها, وأحس بأن فؤاده يفرغ مما فيه على نحو سريع.

وحده المطر تساقط على فؤاده الخاوي.

شرع الفتى في السير, ضائعا في أفكاره.

– إلى أين تمضي?

قالتها الفتاة متسائلة, وحذت حذوه بقدميها اللتين تنتعلان الحذاء الأبيض طويل العنق, وفي هذه المرة تشبثت في إحكام بمقبض الشمسية.

– إلى أين أمضي هو شأن يخصني وحدي. لقد أوضحت ذلك في وقت سابق. أليس كذلك?

تساءلت:

– ماذا تعني?

تطلع الفتى إلى محيا من تشاركه الحديث, وقد سيطرت جفوة على فؤاده. كان محياها غارقا بالماء, لكن المطر غسل دموعها, وعلى الرغم من أن آثار الدموع بقيت في عينيها المحمرتين, المبتلتين, فإن الصوت لم يعد يرتجف.

– ما الذي أعنيه? لقد أوضحت ذلك في وقت سابق. أليس كذلك? قلت لك إن الأمر انتهى.

فيما وراء الملمح الجانبي لوجهها وهو يتحرك عبر المطر, أصبح بمقدور الفتى الآن أن يشاهد الأزاليا القرمزية الصغيرة وهي تزدهر بعنفوان هنا وهناك على العشب.

– حقا? هل قلت ذلك? لم أسمعك.

انطلق حديثها بلهجة عادية.

أوشكت الصدمة أن تلقي بالفتى أرضا. وبعد أن خطا خطوات عديدة متعثرة, واتاه الاحتجاج أخيرا.

قال متلعثما: (ولكن… عندئذ.. لم كنت تبكين? كيف تفسرين ذلك?).

لزمت الفتاة الصمت برهة, ويدها الصغيرة المبتلة لا تزال على تشبثها بمقبض المظلة.

– تدفقت الدموع فحسب. لم يكن هناك سبب.

استبد الحنق بالفتى, وأوشك أن يصرخ بها معبرا عن شيء ما عندما أفسح الصوت المجال لعطسة هائلة مفاجئة. وخطر بباله أنه سيصاب بالبرد إن لم يخرج من هذا المطر.

 

* يوكيو ميشيما هو الاسم الأدبي الذي نشر الأديب الياباني كيمثاكي هيراوكا أعماله تحته. وقد ولد في 14 يناير 1925 ورحل عن عالمنا منتحرا في حادث شهير في 25 نوفمبر 1970, تقع أعماله الكاملة في مائة مجلد, تضم سبعين مسرحية وسبعا وعشرين رواية وما يزيد على مائة قصة ومقالات تقع في أحد عشر مجلدا. وباستثناء ياسوناري كاوابانا فإنه يعد الأديب الياباني الذي ترجم عدد قياسي من أعماله إلى اللغة العربية. وقد ترجم له مترجم هذه القصة رباعيته (بحر الخصب) التي تقع في ألفي صفحة وروايته (اعترافات قناع) ومسرحيته (السيدة دي ساد). والقصة الماثلة بين يدي القارئ منقولة عن مجموعة (قصص من طوكيو) الصادرة عن مطبعة جامعة كاليفورنيا عام 2002.

Share this post